ويشهد لجميع ما قلناه في هذا الباب، من دلالة الحروف المقطعة على
المعاني والرمز بها إليها، كثير من منظوم الكلام ومنثوره، كقول الراجز:
قلت لها قفي فقالت قاف.
وكقول الآخر لأخيه: ألاتا؟ فيقول له: ألافا.
يريد: ألا فارتحل.
وكقولهم:
بالخَيْرِ خَيْراتٍ وإِنْ شَرًّا فآ ولا أُرِيدُ الشَّرَّ إلا أَنْ تَآ
يريد: إن شراَ فشرًا، ولا أريد الشر إلا أن تشاء.
وكقولهم: أيش؟ يريدون: أي شيء؟
وكقولهم: م الله. يريدون: أيمن الله.
ومن هذا الباب حروف التهجي من أوائل السور.
وقد رأيت لابن فورك نحوًا من هذا في اسم الله سبحانه، قال: الحكمة في وجود الألف في أوله أنها من أقصى مخارج الصوت قريبا من القلب الذي هو محل المعرفة إليه، ثم الهاء في آخره مخرجها من هناك أيضًا، لأن المبتدأ منه والمعاد إليه، والإعادة أهون من الابتداء، وكذلك لفظ الهاء أهون من لفظ الهمزة، هذا معنى كلامه.
فلم نقل ما قلناه في المضمرات إلا اقتضابًا من أصول السلف، واستنباطًا من
كلام اللغة، وبناء على قواعدها، وجريًا على طريقة علمائها.
فتأمل هذه الأسرار بقلبك، والحظها بعين فكرك، ولا يذهلنك فيها نبو طباع أكثر الناس عنها، واشتغال
1 / 176