وعندنا أن هذا الانقلاب إنما كان سببه شيوع النصرانية في ظهراني العرب كما بينا ذلك بالشواهد المتعددة في القسم الأول من كتابنا. وأن تقصينا البحث في ما خلفوه من الآثار وجدنا فيها من المبادئ الفلسفية والتعاليم اللاهوتية ما هو دليل لامع على قولنا.
١ الفلسفة النصرانية في عرب الجاهلية
ليس أحد من قرائنا ينتظر منا أن نعدد له ما وضعه نصارى العرب في الجاهلية من التأليف الفلسفية فإن أهل الجزيرة قبل الإسلام وبعده لم يشتهروا مطلقًا في النظريات إذ كان هممهم الأعظم أن يعيشوا في مواطنهم عيشة فطرية لا يزعجها ضنك الفكر ولا يخالطها التعمق في غوامض الكون. وأن قيل لنا ألا تحصي بين كبار فلاسفة العرب الرئيس ابن سينا والفارابي وابن رشد أجبنا أنهم أعاجم ليسوا عربًا. وأن وجد بينهم أفراد أحرزوا لهم ذكرًا في ذلك كالكندي فإنه من باب الشذوذ.
لكن الفلسفة لا تظهر فقط في المؤلفات النظرية بل ربما ظهرت في مطاوي الكلام نثره ونظمه حيث تلوح المبادئ التي يجري المرء بموجبها ويرتشد بنورها وذلك خصوصًا في فروعها الثلثة أعني بها علم الإله ثم علم النفس ثم علم الآداب والحقوق وكل ذلك متوفر في آثار الجاهلية كما سترى.
(١ علم الإله الحق) يثبت الفيلسوف بالبراهين العقلية وجود الله ووحدانيته وخلقه للعالم وصفاته الحسنى من قداسة وحكمة وعلم وقدرة وعدل وعناية بالمخلوقات وهذا كله تجده في شعراء الجاهلية الذين روينا أقوالهم في القسم الثاني (ص ١٥٨ ١٦٢) كقول زيد بن عمرو:
إلى الله أهدي مدحتي وثنائيا ... وقولًا رصينًا لا بني الدهرَ باقيًا
إلى الملك الأعلى الذي ليس فوقهُ ... إلهٌ ولا ربٌ يكون مدانيا
رضيتُ بك اللهمَّ ربًّا فلن أرى ... أدينُ إلهًا غيرك الله ثانيًا
وكقول قس بن ساعدة خطيب العرب:
الحمدُ لله الذي لم يخلقِ الخلقَ عبثْ
وكقول ورقة بن نوفل:
أدينُ لربّ يستجيبُ ولا أرى ... أدينُ لمن لا يسمع الدهرَ واعيا
أقول إذا صلَّيت في كل بيعة ... تباركتَ قد أكثرتُ باسمكَ داعيا
وكقول عبد القيس بن الخفاف (المفضليات ص ٧٥٠ Lyall.ed):
الله فاّتقهِ وأوفِ بنذرهِ ... وإذا حلفتَ مماريًا فتجللِ
وكقول طرفة (شعراء النصرانية ٣١٩):
لتنقّبنْ عنيّ المنيَّة أنَّ م الله ليس لحكمهِ حكمُ
وكقول سويد بن أبي كاهل:
إَّنما يرفع اللهُ ومن شاء وضعْ
وكقول وحاتم الطائي:
كلوا اليوم رزق الإلهِ وأيسروا ... فإنَّ على الرحمن رزقكم غدا
وأقوال كثيرة لامية بن أبي الصلت ولا سيما داليته العجيبة التي أولها:
لك الحمدُ والنعماءُ والفضلُ رَّبنا ... فلا شيء أعلى منك حمدًا وأمجدُ
وفيها يقول:
هو الله باري الخلقِ والخلقُ كلهُ ... إماءٌ لهُ طوعًا جميعًا وأعبدُ
أعجب بها نبي الإسلام فقال لما سمعها من الشريد بن سويد: لقد كاد أمية أن يسلم بشعره (أطلب حياة الحيوان للدميري ٢: ١٩٥) فهذه وأقوال غيرها كثيرة تثبت أن العرب في الجاهلية عرفوا الإله الحقيقي ولا شك بأن هذه المعرفة أتتهم من مبشرين نصارى سبق لنا ذكرهم في تاريخ النصرانية بين العرب (أطلب القسم الأول) (٢ علم النفس) كان لقدماء العرب قبل أن يستنيروا بنور الإنجيل أراء باطلة في النفس وأصلها ومصيرها فيهيمون بمزاعمهم في كل واد. فلما هداهم الله إلى الحق عدلوا إلى ما هو أقرب إلى الصواب فأقروا بخلود النفس وحرضوا على تقي الله وممارسة الأعمال الصالحة وأشاروا إلى ما ينتظر النفس من الحساب يوم الدين فتجازى عن أعمالها ثوابًا أو عقابًا. وهذا كله مجمل ما يستفاد من التعاليم الفلسفية. فدونك بعض الشواهد على قولنا. أوردنا في شعر عدي بن زيد (ص ٢٥٢) ما قال في تصوير الله للإنسان ونفخه فيه من روحه. ولطرفة قوله في عقل الإنسان (شعراء النصرانية ص ٣١٧) وما خص به من الإدراك:
للفتى عقلٌ يعيشُ بهِ ... حيث تهدي ساقهُ قدمهْ
وقد ميزوا بين الروح الخالدة والجسد الفاني كقول ذي الرمة مستغيثًا:
يا نازعَ الروحِ من جسمي إذا قبضتْ ... وفارج الكرب انقدني من النارِ
1 / 154