فصرخ ضباط مونميراي - وعددهم خمسمائة شاب: «نقسم».
وتلتهم فرقة صليب الراية - وعدد فتيانها خمسمائة - صرخوا بصوت واحد: «نقسم».
لقد كلفنا هذا القسم ثمنا غاليا، فإن الريشة البيضاء كانت علامة فارقة اتخذها الألمانيون هدفا، فأصيب أكثر هؤلاء الأحباء في جباههم، ولست بذاكر عدد الأموات ، ولكن معظمهم سقطوا الواحد بعد الآخر.
وهاكم ما كتبه أحدهم، وهو شاعر فتى اسمه جان إلار إلى أمه في وصف تلك الحفلة:
بعد العشاء أخذ كل منا سلاحه واجتمعنا في الساحة العامة تحت إمرة القائد، وكانت الليلة جميلة، والنسيم عطرا، والسكوت عميقا ملتفا حولنا جميعا، وفي وسط الحماس المتعاظم وقفت وأنشدت قصيدتي التي تعرفين.
يا أمي الصغيرة! لن أقول في حياتي هذه الأبيات؛ لأن الساعة التي نظمتها فيها لن تعود. هذه الساعة آن أتهيأ للسير إلى الحدود وحولي ألف شاب ينتفضون بعاطفة الكبرياء والوطنية وحمى الحياة.
آه يا أمي لو نفخ في البوق في هذه الساعة لحملنا صداه إلى ضفاف الرين.
تعرفون، أيها السادة، حكاية الشاب الذي هجم على خندق ألماني صارخا تلك الصرخة التاريخية: «وقوفا أيها الأموات.»
لقد نقلت رسم هذا الشاب أكثر جرائد العالم، ولم تبق مجلة إلا ذكرت أخبار شجاعته، فأردت أن أراه لأسمع منه شيئا، وهاكم ما قال لي:
كنت مع رفاق لي وراء خندق حاول الألمانيون الاستيلاء عليه مدة ثلاثة أيام متواصلة بشدة وعنف لا مثيل لهما، وكانت رمانات «الشرابنل» تتساقط بالمئات والألوف، وصراخ المحتضرين حولنا يصم أذاننا ويمزق نفوسنا، وكان بجانبي ملازم يدخن لفافة ويبتسم للموت، وإذا برمانة أصابت رأسه، فاستند إلى جذع شجرة وأغمض عينيه، وإذا بالدماء تتدفق من جرحه، وتندفع إلى الأرض بشدة فتتألف منها فقاقيع كالخمر المتدفق من برميل فوق وعاء.
صفحة غير معروفة