هذه القبلة المتبادلة بين الضلال والدوطة، بين الخداع وحب المجد، هذه القبلة الباردة بين شفاه المتمدن والمتمدنة، كانت عربون اتصال تحل عليه البركة الإلهية وتجعله مقدسا ... وهنالك على سفح لبنان في حقول المزرعة الهادئة كان صدى القبلات المحفوظة في تموج النسيم يدوي مع خرير الغدير كنواح الغادة التي تجبل خبزها بدمها وتمزج شرابها بدموعها ... •••
وكانت الباخرة الإفرنسية تتأهب للإقلاع من مينا بيروت، والزوارق تتوارد إليها زرافات ووحدانا، وقد اختلط المودع بالمسافر، ووقفت الأم لجنب ابنتها، والابن لجنب أبيه، الصديق قرب صديقه، والحبيبة قرب الحبيب، وكلهم شاخصون إلى السماء كأنهم يستطلعون ما كتب لهم في المجهول.
من يدري إن لم يكن بذلك الملتقى أواخر القبلات وأوائل الدموع التي لا يجففها غير الكفن.
على ظهر الباخرة كان كاهن وشاب واقفين، ويد كل واحد منهما بيد صاحبه، وكلاهما شاخصان إلى قمم لبنان العالية.
وكان الشاب يقول للكاهن: لا تلق الملام على شبان سوريا المتخرجين في المدارس؛ فهم أتعس شبيبة في العالمين، دعهم يذهبون، وإذا ضاقت بهم الحال يجدون معملا يشتغلون فيه، أما إذا مكثوا هنا فلا معامل ولا معادن ولا زراعة راقية، فإما أن يضربوا بمعاولهم الأرض أو أنهم يطوفون في البلاد بأجساد أنحلها الهم، ونفوس تنتظر الفكاك من أسر الحياة، لبنان لا يحتاج لمثل هذه الثمرات الساقطة على الأرض وقد عبث بها الهراء؛ لأنها ناضجة قبل أوانها، فنهضة لبنان لا تقوم إلا بقوة الأيادي العاملة والأجساد الشديدة التي كان يجب أن تخرج كنوز الأرض، وها هي تتدفق من جبالنا العالية إلى شاطئ هذا البحر ليحملها إلى قلب العالم الجديد. - أنت تطلب عذرا لنفسك يا سعيد، فلا أراك مصيبا بكل ما تقول. - أنا مقتنع كل الاقتناع بما أقول، وهذا برهاني: قبل أن تجبرني الظروف على الإبحار، قبل أن أصرف آخر درهم أبقاه لي أبي بعد وفاته، وقفت مرارا على هذا المرفأ أتأمل بالمهاجرة في حين لم أكن من طلابها، فكنت أرى أبناء الوطن بل نسمته وروحه يبارحونه جسدا أنحلته الأدواء، فألقي على الأجساد القوية الضخمة المملوءة شدة وحياة نظرة أسف وتمرمر، أما القسم المهذب الراقي من إخوتي فكنت أزودهم دمعة ورحمة، كنت أشعر معهم بما أشعر به اليوم، وأتأسف على وطن يكفيه خمودا وعارا أنه يقذف عنه شعلة الذكاء المنزلة عليه برءوس أتعس أبنائه، فما أشبه حالة ألفتنا اليوم يا أبي بتلك المغاور البعيدة الأطراف التي يسطو عليها الفساد، إلى درجة تنطفئ بها كل شعلة تلمع بديجوره الأربد! ولكم رأينا من تلك اللمعات ما بيننا! لكم لاح لنا من نور يسطع وشيكا ثم يتبدد بكربون الفساد فكأنه لم يكن ... أين أديب إسحق ونجيب حداد واليازجي، وأي نفع أبقوه للبلاد بل أية حياة نفخوها في قومنا؟ وهم لم يتركوا غير نفثات أقلامهم تدخل إلى صدور الشبيبة فتدفعها إلى القنوط وتجرها إلى القبر، فكأن تلك الأقلام تحمل مع الفكر السامي ميكروب السل الذي أفنى تلك الأجساد التاعسة.
إذا بارح الوطن رجال العمل عن طمع وجشع وكسل وبعض الضغط فلا يبارحه رجال الفكر والعلم إلا كرها، وعن ملالة من ألفة تحتاج لانتباه ولد بأكثر مما تطلب عقل رجل، تحتاج لمن يحسن الجمع والضرب والقسمة بأكثر من احتياجها، لمن يحل صعاب الرياضيات في موقف الاختراع المفيد والأعمال الكبيرة، تحتاج لمن يكتب: «بعد سؤال الخاطر العاطر واصلكم صورة الحسابات.» بأكثر من احتياجها لمن يلقي القلم على القرطاس، فيغرد تغريدا، تحتاج لمن يعرف استجلاب البضائع الأجنبية بأكثر من استعدادها لقبول أهل الفكر والعمل المستقل الذي يخرج من الوطن ما يفيد أبناءه، تحتاج لكل من ينادي بالمبادئ المقتبسة عن الأجانب بقطع النظر عن ملائمتها للبلاد، وترفض كل رأي ينزع إلى الإفادة بارتكاز مبدئه على الحاجة الماسة وضرورة الوسط الحالي ...
ووقف سعيد عن كلامه بغتة كما ينقطع مطر الربيع حينما يتساقط بشدة من السحب التي تلامس الجبال.
وكان رفيقه الكاهن يلعب بأطراف لحيته وأصابعه النحيلة ترتجف بحركة عصبية تدل على تهييج شديد، وبعد سكوت قصير فتح الكاهن فاه وقال: لربما يكون بكلامك بعض الحقيقة يا سعيد، فأنت تظهر وجوب بقاء الفلاح العامل في البلاد لأن وجوده ضروري لحياة الأرض، ولكنني لست من رأيك بعدم نفع الطبقة الراقية للوطن، اعلم يا سعيد أن ألفة بلادنا واقفة بين خائنين؛ وهما الغني الحريص يقضي ليله بلعب الميسر ونهاره بالرقاد على فراش الرخاء والكسل، والفلاح الجاهل الطامع الذي ضربه طاعون التشبه والتطاول، فترك أرض آبائه وذهب إلى حيث يقنع بلبس السترة والبنطلون، إذا احتج المهاجرون المتعلمون بأن المدارس التي لا نعرف واجباتها زرعت في قلوبهم كل ما يدفع للمهاجرة، فبم يتعلل الفلاح يا ترى؟ أما الطبقة المتهذبة الفقيرة فما أراها إلا سفينا ضائعا بين بحر الشعب الهائج وزوابع الأغنياء ورعود صلفهم ومواطر ضلالهم، تلك الطبقة لا تقدر أن تدير القوة الجاهلة لقصر اليد، ولا يمكن لها إقناع ذوي الثروة لفتح أبواب الأعمال المفيدة، شبيبة الوطن المهذبة هي العسكر المجاهد الذي يحتمل كل الجراح في هذا الممر الصعب، فيجب عليها أن تثبت لتكون رابطة الاتحاد بين الصناديق المقفلة والأرض المهملة، يجب عليها ألا تيئس من الوصول يوما إلى موقفها الذي تعده لها العناية السرمدية.
أنا لا ألومك لتركك هذه البلاد يا سعيد، أنت تهرب من الجولان بالشوارع والتعرض للفساد، أنت تهاجر كيلا تموت فيك القوة والموهبة، ولكن سيأتي يوم وهو قريب ينتصر العلم به على جهل العامل وضلال المثري، وحينئذ يصير كل شاب متهذب وعالم مسئولا أمام وطنه إذا بارحه، يصبح مطالبا أمام الله والألفة إذا هرب من موقفه؛ لأنه يكون إذ ذاك جنديا جبانا يخلي الأرض التي وضع للمحافظة عليها نهبا مقسما للأعداء ...
اذهب يا سعيد إلى حيث قدر لك، ولكن خذ مني وصية واحرص على إتمامها: لا تقف كل حياتك في بلاد المهجر لجمع المال فقط، بل تعلم من أرض العمل ما يمكنك نفع بلادك به إذا رجعت، لقد مر الوقت، وعن قريب سيحملك البخار إلى بعيد، فليكن الله حارسا لك، ولا تدع الفساد يسطو عليك، كلما قامت بوجهك صعوبة تذكر إلهك يا سعيد، تذكر وطنك فأنت مديون له، لا تترك هذا العش الجميل خاليا من كل فراخه ... •••
صفحة غير معروفة