نفحات
وأنشأ الرسائل البديعة في المكاتبات، وهو طويل النفس في البلاغة جزل الألفاظ، غريب الأسلوب، بديع الصنع لطيف الاستطراد، ولم يزل واسطة للعقد وصدرا في المواقف، وبدرا في فلك الفضل وبحرا في العطاء، حتى تكدر خاطره من أحد وزراء الإمام المنصور ففر من صنعاء إلى جبل بني جرموز، في سنة أربع وتسعين ومائة وألف، وجرت بينه وبين المنصور خطوب، ودارت بينهم عدة حروب يطول شرحها، ثم صلح الحال بينهم وبين المنصور في سنة تسع وتسعين ومائة وألف، ورجع صنعاء معظما مبجلا وأحسن إليه الإمام إحسانا عظيما وأطلق له مقرراته، وجراياته، ثم بعد ذلك قصد مكة المشرفة للحج والزيارة، واجتمع هنالك بأفاضل الحرمين الشريفين ثم عاد واستقر بالروضة، فوفد إليه الناس على اختلاف طبقاتهم ورجع إلى حاله الأول، من تتابع الضيافات وكثرة النفقات، ومع بعد همته لم يطب له عيش، ولا صفى له مشروب، ورأى الإمام أن صيانته في دار الاعتقال هو الأولى، فأودع قصر صنعاء في سنة سبع ومائتين وألف، وهو إلى الآن باق فيه على حال سنية، مقبل على عبادة الله تعالى، وعلى المطالعة للأسفار والتأليف وعنده أهله وأولاده لأنه محبوس في بيت من بيوت القصر.
[مؤلفاته]
وقد رأيت له مؤلفات في مجلدين ضخمين، شرح به قصيدة إلهية ومستهلها:
لا وظلم الثغر والشنب ... ما لظلم الصب من سبب
وأودعه كثيرا من قصائده الإلهية والنبوية، والعلوية، ورشحه ببدائع من الفوائد، وهو مغزار في نظم الشعر، وبلغني أنه أحرق كثيرا من أشعاره الغزلية لأنه في آخر عمره، لزم طريقة السلوك، وله من الشعر الحميني الملحون ما هو أرق من النسيم، واشهى من المدامة للنديم.
[نماذج من شعره]
فمن شعره ما كاتب به القاضي أحمد بن صالح بن أبي الرجال وقد تقدم جوابها وتركت النثر اختصارا:
لخاتمها الياقوت من لؤلؤ نضد ... على أرج للمسك مازجه الشهد
تودعنا الألباب عند ابتسامه ... ويمسي وميض البرق ليس له عند
صفحة ٢٤٩