الأذن تعشق قبل العين أحيانا
بلغت هيفاء الرابعة عشرة من عمرها، فكانت آية حسن جمعت بين الجمال والكمال، مع ما اشتهر عنها من تدبير المنزل، ولطف الحديث، وعذوبة الصوت، فكانت النساء يتزلفن إليها وكل منهن تود لو تستطيع أن تخطبها لابنها أو لشقيقها، وهي لا تظهر ميلا إلى الزواج، بل كلما فاتحها أحد بذلك غضت نظرها أو خرجت من الغرفة خجلا وتجنبا للكلام في هذا الموضوع، وكانت تشعر أنه ليس بين أبناء قريتها من ملأ قلبها حبا أو قرت عينها بمرآه؛ لأنها كانت تطمح بما لا تجده هنالك.
والذي جعلها تنظر إلى شبان القرية نظرة الإشفاق لا نظرة الإعجاب، ما رأت من الفرق بينهم وبين سليم نجل سمعان إلياس أحد تجار زحلة صديق والدها، الذي كان يأتي كل عام في أيام الموسم فيشتري ما يفيض عن حاجة القرية من الحبوب بأثمان موافقة، كما أن أهل القرية إذا قصدوا محله في زحلة عاملهم أحسن معاملة.
وكان سليم يتلقى دروسه في إحدى كليات بيروت، وقد امتاز بين أقرانه بالذكاء والاجتهاد؛ فأحبه والده لذلك محبة عظيمة حتى كان لا يستطيع مفارقته في أيام العطلة فيصحبه معه أينما ذهب.
جاء هذا الشاب المهذب إلى القرية ظانا أن أهلها لا يزالون في أحط دركات الجهل، كما يتبادر إلى ذهن كثيرين من تلاميذ المدارس إذا زاروا القرى النائية عن العمران، ولكن سليم كان كثير التأدب فلم يظهر الاحتقار لأهل القرية، ونزل مع أبيه ضيفين مكرمين على يوسف الهلالي، ودعي الشيخ صالح لتناول الطعام مع بعض أعيان القرية، فبعد أن أكلوا ما لذ وطاب قاموا إلى بهو كبير حيث جلسوا يتحدثون.
وكانت الثورة التركية في ذلك الحين قد قضت على استبداد عبد الحميد، وأخذ الناس يتحدثون بفضلها ويعظمون قدرها، فقال الشيخ صالح: ما رأيكم فيما آلت إليه الأمور، فلقد سمعت أن القسيس والشيخ تعانقا في بيروت تعانق الإخوان، والله إنني لأحب مثل هذا الاتحاد جدا، ولكنني أخشى أن يكون ما حدث سابقا لأوانه.
ولما كان سليم شابا شديد الحماسة والإخلاص لوطنه، وقد حضر حفلات كثيرة وطنية شهد فيها تآخي الأخوين المتنابذين، وسر كما سر كل متعلم من هذا الاتحاد، وأخذته هزة الطرب ونشوة الحماسة الوطنية، وشعر مع غيره من الشبان أن أمل الشرق في التخلص من العبودية للتقاليد وللجهل أولا، وللاستعباد السياسي ثانيا قد تحقق أو كاد، استفزه قول الشيخ وقال: لم تعتقد يا مولاي أن ما حدث سابق لأوانه؟! - لأن الطفرة محال يا بني، وما ورثناه من التقاليد والعادات من أجيال لا يزول في يوم أو يومين، والنفوس على ما هي عليه، والجهل والتعصب متفشيان في البلاد، فلو اتفق الناس في بيروت وكانوا في دمشق وبقية البلدان العربية على عكس ما هم عليه في بيروت، لا يلبث هذا الاتفاق أن يزول بالسرعة التي تم فيها، ولكننا يا بني نشعر معكم - شبان اليوم - بضرورة الاتحاد متى توفرت أسبابه، وتوطدت أركان المحبة والإخلاص بين الطوائف المختلفة، وتوحدت الغايات واتفق الجميع على خطة واحدة وسياسة عامة يتبعونها، وإلا كانت المساعي عقيمة، وأولئك الذين يتصافحون اليوم بهذه السهولة يعودون إلى الخصام سريعا.
سمع سليم هذا الكلام من الشيخ صالح ولم يكن يظن أن رجلا قرويا يبلغ هذا المبلغ من العلم فبهت؛ إذ كان يتوقع من رجل قروي معمم أن يتكلم بما ينم عن تعصب وجهل، فإذا به يسمع آراء يعجز عن الإتيان بأفضل منها أساتذته، فنظر إلى الشيخ وقال: مهلا يا أستاذ، إن كلامك لهو عين الصواب، ولكننا - نحن الشبان - نرى غير رأي الشيوخ. أنتم تتمهلون ونحن نحب العجلة. - العجلة من الشيطان يا بني. - بل في الحركة بركة - كما يقولون - وهذا ما نراه نحن؛ لأن التمهل والجمود يضران بالقضية المشتركة، فإننا الآن نتآخى ونتعاضد ونتعاهد على العمل متحدين، وبعدئذ نعد الوسائل التي تؤدي إلى الغاية المطلوبة.
فضحك الشيخ، وقال: «بل أنتم يا بني تبنون فوق أسس واهية؛ فما نفع العهود والمواثيق إذا لم يكن ثمت اتفاق على المبادئ التي هي أساس العمل؟ لا أقول هذا إضعافا للهمم ولا تقليلا من أهمية ما تم للآن، ولكن الأيام بيننا وسنتعثر بالخيبة ونعود بالفشل مرارا قبلما يتم لنا ما نريد.»
فوجم سليم عن الكلام قليلا، ثم قال - محاولا إرضاء الشيخ واستجلاب رضاه، وإقناعه بوجوب تأييد الحركة التي كان سليم يعتقد أنها لا تقوم إلا إذا أيدها رجال الدين والعلم وأصحاب النفوذ: قد يكون ذلك، ولكننا نحن الشبان نعتقد أن الشيوخ الذين يفوقوننا خبرة ومعرفة لا يقفون في سبيل الحركة، بل يشجعونها كلما سنحت لهم فرصة وينورون الأذهان ويفتحون القلوب؛ تمهيدا لليوم المنتظر، نعم نحن أقل خبرة وحنكة، ولكن يا حضرة الأستاذ ألا تظن أن المستقبل لنا وبيدنا، وأن العمل يحتاج إلى خبرة الشيوخ، ولكن لا غنى له عن همة ونشاط وحماسة، فإذا اتحد الشيوخ والشبان تم لنا ما نريد.
صفحة غير معروفة