وقد يكون ضبط النفس متناهيا إلى حد القسوة والتجهم والعبوس والخشونة، وقد يصبح قانونا نفسيا شديد السلطان ونظاما جافا لا هوادة فيه، حتى لقد قيل عن الزعيم لينين إنه أخذ نفسه بمنتهى الصرامة إذ عرف أنه لا شيء ينقذ الثورة الروسية من الفشل، وهي المهددة بالجوع والغزو والانتكاس، غير العمل الصارم القاطع الموحش الذي لا تسامح ولا هوادة ولا رفق فيه.
لينين - زعيم الشيوعية.
وأشد ما يثير ضبط النفس الإعجاب والإكبار إذا هو ارتقى إلى مرتبة «التضحية»، فإن التضحية هي أسمى مظاهر التغلب على النفس وأرفع درجات ضبطها وقمعها، وإن لقاء الصعاب ومواجهة الشدائد والصبر على الآلام البالغة كانت ولا تزال أبدا صفة من صفات الزعامة، وقد غلا سير توماس مور في إبرازها من فرط ولائه لمليكه حتى لقد قيل إنه حين ألقي في غيابة السجن، ولم يكن يستحق ذلك العقاب، راح يحتمل هذا الظلم صابرا متجلدا وينظر إليه نظرة فلسفية، ويقول لو لم يلق الملك به في حصير أليم لالتمس هو ذلك الحصير بنفسه أن كان في السجن تدليل على ولائه لجلالته ...!
محمود إسماعيل.
وقد تتصل الزعامة أحيانا بالقوى الخارقة للطبيعة، وبتحدي القوانين والاستخفاف بالمبادئ والأفكار العامة، وبالجرأة المتوقحة المتناهية التي تكسب صاحبها الرهب والمهابة وتجعله يبدو غامضا، ويلوح سرا مستغلقا على الناس لا يعرفون حقيقته، ولا يدركون خافيته، وإن اعتقاد موسوليني بأن قدرا حارسا حاميا يرعاه هو الذي جعله غريبا على الناس، بعيد الغور لا يسبر عمقه، ولا تفهم حقيقته، وقد بعث موسوليني على أثر محاولة اغتياله في مدينة بولونا برسالة إلى رئيس الشعبة الفاشية فيها يقول: إن الحادث الإجرامي الذي وقع في اللحظة الأخيرة هيهات أن يحجب مجد اليوم المشهود وروعته، أو يغطي على عظمته وجلاله، وإني باعث إليك بالرصاصة والشريط الذي مزقته لتحفظهما مع التذكارات الفاشية في مدينتكم، وأود منك أن تحمل إلى جميع إخواننا كلمة واحدة، هي الحق الصراح، وهو: «لن يمسني سوء حتى أتم واجبي وأؤدي مهمتي، وليس في الدنيا قوة تستطيع أن تحول بيني وبين هذه الغاية، وإن الرصاص ليتهاوى من حولي، ويبقى موسوليني سليما ما به من بأس ولا أذى ...»
ولعل أعظم امتحان لمبلغ ما عند المرء من بعد الغور وعمق الإحساس، ورباطة الجأش، ومنتهى سكينة الأعصاب، لقاؤه الموت وموقفه في محضر المنون، ففي ظرف كهذا يتجلى المعدن الذي تتركب منه الأبطال، والمادة الخفية التي تفرغ في قوالبها النفوس العظيمة الكبار، فقد فحص الطبيب نبض «جوزيه ويزال» الزعيم الوطني في جزر الفيليبين، قبل إنفاذ الحكم فيه بالإعدام، فوجد «دقاته منتظمة هادئة لا تدل على انفعال ولا خوف ما!» وقد وصف مسلكه قبل إعدامه فقيل إنه أبى أن يدخن أو يشرب نبيذا أو يطيل السهر ليلا، فبقيت أعصابه هادئة ساكنة، أبعد ما تكون من الاضطراب، وقد وضع لنفسه في السجن قبل تنفيذ الحكم نظاما خاصا شعاره فيه «الحمية والاعتدال والتعفف، في غير إضاعة للوقت ولا تبديد للصحة»، ثم راح يستمسك بهذا النظام استمساك المتصوف الزاهد المتبتل، حتى لقد جعل من بين القواعد التي يسير عليها ألا يرفع صوته إذا هو تحدث، فكان لذلك يتكلم بكل هدوء وسكون واتزان.
وليس من ريب في أن أروع مشاهد الشجاعة، والسكينة والجلال عند لقاء الموت، ما كان من «محمود إسماعيل» في مسيره إلى آلة الإعدام بخطواته الثابتة، وصعدته إليها بجلده العجيب، بل ما كان من كلماته الجلائل الرائعة قبل أن يضع الجلاد الحبل في عنقه، فقد كان ذلك حدا بعيدا من الشجاعة يكاد يداني الأسرار الإلهية الرهيبة، ويدق على الأفهام تصوره، ويستغلق على المشاعر تخيل مداه.
تلك حالة نفسية لا توصف ولكن تحس، إذ ليس في اللغة ما يؤدي معانيها، ولا تحتوي من الألفاظ ما يقرب صورتها إلى الأذهان، ولكن الذين يحسونها يموتون، ويطاح بهم على المشانق، فيذهب سرها معهم دفينا.
وبسبيل هذا المعنى ميتة الشباب الشهداء من طلاب الجامعة المصرية في نوفمبر سنة 1935، فقد أبرزوا في لقاء الموت شجاعة رائعة لا توصف، وثباتا عجيبا لا يكون في أسنانهم، ولا ينتظر من غضاضة أعمارهم، فمن ذا الذي ينسى تلك الشجاعة العجيبة التي أبداها الشهيد عبد المجيد مرسي في لقائه الموت على الكوبري، وهو يغرق منديله في دمه ويرسله مشربا بقاني لونه إلى زعيمه، تحية الشجاعة للوفاء، ورمز التضحية إلى الحب والولاء؟ ومن ذا الذي لم يتأثر ولم يتفجع لما كانت الصحف ترويه عن شجاعة عبد الحكم الجراحي وهو يكتب في محضر الموت رسالة بالإنكليزية إلى إنجلترا، يصف فيها اعتداء الشرط الإنكليز عليه، وكيف تلقى الموت بابتسام ...؟!
عبد الحكم الجراحي.
صفحة غير معروفة