360

وخطب ابن الزبير فقال: قد بايعني الناس، ولم يتخلف عن بيعتي إلا هذا الغلام محمد ابن الحنفية، والموعد بيني وبينه أن تغرب الشمس، ثم أضرم داره عليه نارا، فدخل ابن العباس على ابن الحنفية فقال: يا ابن عم، إني لا آمنه عليك فبايعه، فقال: سيمنعه عني حجاب قوي، فجعل ابن عباس ينظر إلى الشمس، ويفكر في كلام ابن الحنفية، وقد كادت الشمس أن تغرب، فوافاهم أبو عبد الله الجدلي فيما ذكرنا من الخيل، وقالوا لابن الحنفية: ائذن لنا فيه، فأبى، وخرج إلى أيلة فأقام بها سنين، ثم قتل ابن الزبير، كذلك حدث عمر بن شبة النميري، عن عطاء بن مسلم، فيما أخبرنا به أبو الحسن المهراني المصري بمصر، وأبو إسحاق الجوهري بالبصرة، وغيرهما، وهؤلاء الذين وردوا إلى ابن الحنفية هم لشيعة الكيسانية، وهم القائلون بإمامة محمد بن الحنفية، وقد تنازعت الكيسانية بعد قولهم بإمامة محمد بن الحنفية: فمنهم من قطع بموته، ومنهم من زعم أنه لم يمت وأنه حي في جبال رضوى، وقد تنازع كل فريق من هؤلاء أيضا، وإنما سموا بالكيسانية لإضافتهم إلى المختار بن أبي عبيد الثقفي، وكان اسمه كيسان، ويكنى أبا عمرة، وأن علي بن أبي طالب سماه بذلك، ومنهم من رأى أن كيسان أبا عمرة هو غير المختار ،. وقد أتينا على أقاويل فرق الكيسانية وغيرهم من فرق الشيعة وطوائف الأمة في كتابنا في المقالات في أصول الديانات وذكرنا قول كل فريق منهم، وما أيد به مذهبه، وقول من ذكر منهم أن ابن الحنفية دخل إلى شعب رضوي في جماعة من أصحابه فلم يعرف لهم خبر إلى هذه الغاية. وقد ذكر جماعة من الأخباريين أن كثيرا الشاعر كان كيسانيا، ويقول: إن محمد بن الحنفية هو المهدي الذي يملأ الأرض عدلا كما ملئت شرا وجورا.

وحكى الزبير بن بكار في كتابه أنساب قريش في أنساب آل أبي طالب وأخبارهم منه قال: أخبرني عمي، قال: قال كثير أبياتا له يذكر ابن الحنفية رضي الله عنه، وأولها:

هو المهدي خبرناه كعب ... أخو الأحبار في الحقب الخوالي

أقر الله عيني إذ دعاني ... أمين الله يلطف في السؤال

وأثنى في هواي علي خيرا ... وساءل عن بني وكيف حالي

وفيه يقول أيضا كثير:

ألا إن الأئمة من قريش ... ولاة الحق أربعة سواء

علي والثلاثة من بنيه ... هم الأسباط ليس بهم خفاء

فبسط سبط إيمان وبر ... وسبط غيبته كربلاء

وسبط لاتراه العين حتى ... يقود الخيل يتبعها اللواء

تغيب لايرى فيهم زمانا ... برضوي عنده عسل وماء

وفيه يقول السيد الحميري، وكان كيسانيا:

ألا قل للوصي فدتك نفسي ... أطلت بذلك الجبل المقاما

أضر بمعشر والوك منا ... وسموك الخليفة والإماما

وعادوا فيك أهل الأرض طرا ... مغيبك عنهم سبعين عاما

وماذاق ابن خولة طعم موت ... ولا وارت له أرض عظاما

لقد أمسى بمردف شعب رضوى ... تراجعه الملائكة الكلاما

وفيه يقول السيد أيضا:

يا شعب رضوى ما لمن بك لا يرى ... وبنا إليه من الصبابة أولق

حتى متى؟ وإلى متى؟ وكم المدى؟ ... يا ابن الرسول وأنت حي ترزق

وللسيد فيه أشعار كثيرة لا يأتي عليها كتابنا هذا.

وذكر علي بن محمد بن سليمان النوفلي في كتابه الأخبار مما سمعناه من أبي العباس بن عمار، قال: حدثنا جعفر بن محمد النوفلي، قال: حدثنا إسماعيل الساحر، وكان راوية السيد الحميري، قال: ما مات السيد إلا على قوله بالكيسانية، وأنكر قوله في القصيدة التي أولها:

تجعفرت باسم الله، والله أكبر

قال أبو الحسن علي. بن محمد النوفلي عقيب هذا الخبر: وليس يشبه هذا شعر السيد؟ لأن السيد مع فصاحته وجزالة قوله لا يقول تجعفرت باسم الله.

وذكر عمر بن شبه النميري، عن مساور بن السائب، أن ابن الزبير خطب أربعين يوما لا يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: لا يمنعني أن أصلي عليه إلا أن تشمخ رجال بآنافها.

بين ابن عباس وابن الزبير

وذكر سعيد بن جبير أن عبد الله بن عباس دخل على ابن الزبير فقال له ابن الزبير: أنت الذي تؤنبني وتبخلني. قال ابن عباس: نعم، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: ليس المسلم الذي يشبع ويجوع جاره فقال ابن الزبير: إني لأكتم بغضكم أهل هذا البيت منذ أربعين سنة، وجرى بينهم خطب طويل، فخرج ابن عباس من مكة خوفا على نفسه، فنزل الطائف، فتوفي هنالك، ذكر هذا الخبر عمر بن شبة النميري، عن سويد بن سعيد، يرفعه إلى سعيد بن جبير فيما حدثنا به المهراني بمصر، والكلابي بالبصرة، وغيرهما، عن عمر بن شبة.

بين ابن الحنفية وابن الزبير

صفحة ٣٨٢