473

عليه من التعب الذي يلحقه بسبب املاء الكتاب في حال المرض والوجع، وقد رأى رضي الله عنه، أن ترك احضار الدواة والبياض أولى، وربما خشي أن يكتب النبي أمورا يعجز عنها الناس، فيستحقون العقوبة بسبب ذلك لأنها تكون منصوصة لا سبيل الى الاجتهاد فيها، ولعله خاف من المنافقين أن يقدحوا في صحة ذلك الكتاب لكونه في حال المرض فيصير سببا للفتنة؛ فقال: حسبنا كتاب الله لقوله تعالى: «ما فرطنا في الكتاب من شيء» وقوله: «اليوم أكملت لكم دينكم» وكأنه رضي الله عنه أمن من ضلال الأمة حيث أكمل الله لها الدين وأتم عليها النعمة.

هذا جوابهم وهو كما ترى، لأن قوله عليه السلام: لا تضلوا، يفيد أن الأمر أمر عزيمة وايجاب، لأن السعي فيما يوجب الامن من الضلال واجب مع القدرة عليه بلا ارتياب، واستياؤه منهم وقوله لهم قوموا، حين لم يمتثلوا أمره دليل آخر على أن الأمر انما كان للايجاب لا للمشورة.

فإن قلت لو كان واجبا ما تركه النبي عليه السلام، بمجرد مخالفتهم، كما أنه لم يترك التبليغ بسبب مخالفة الكافرين، قلنا: هذا الكلام لو تم، فإنما يفيد كون كتابة ذلك الكتاب لم تكن واجبة على النبي عليه السلام، وهذا لا ينافي وجوب الاتيان بالدواة والبياض عليهم حين أمرهم النبي به، وبين لهم أن فائدته الأمن من الضلال ودوام الهداية لهم، اذ الأصل في الأمر انما هو الوجوب على المأمور لا على الآمر ، ولا سيما اذا كانت فائدته الى المأمور خاصة، والوجوب علهيم هو محل الكلام لا الوجوب عليه.

على أنه يمكن أن يكون واجبا عليه أيضا، ثم سقط الوجوب عنه بعدم امتثالهم، وقولهم: هجر، حيث لم يبق لذلك الكتاب أثر سوى الفتنة كما أفدت.

وربما اعتذر بعضهم بأن عمر رضي الله عنه، لم يفهم من الحديث أن ذلك الكتاب سيكون سببا لحفظ كل فرد من افراد الأمة من الضلال، بحيث لا يضل بعده منهم أحد أصلا، وانما فهم من قوله: لا تضلوا، أنكم لا تجتمعون على الضلال بقضكم وقضيضكم، ولا تتسرى الضلالة بعد كتابة الكتاب الى كل فرد من أفرادكم، وكان رضي الله عنه يعلم أن اجتماعهم على الضلال مما لا يكون

--- *** 462 )

صفحة ٤٦١