المنتقى من منهاج الاعتدال في نقض كلام أهل الرفض والاعتزال
محقق
محب الدين الخطيب
لَا تحْتَاج إِلَى نظر فَإِن إقتران المعجزة بِدَعْوَى النُّبُوَّة يُوجب علما ضَرُورِيًّا أَن الله أظهرها لصدقه كَمَا أَن من قَالَ لملك من الْمُلُوك إِن كنت أرسلتني إِلَى هَؤُلَاءِ فانقض عادتك وقم واقعد ثَلَاث مَرَّات فَفعل ذَلِك الْملك علمنَا بِالضَّرُورَةِ أَنه فعل ذَلِك لأجل تَصْدِيقه
وقولك إِذا كَانَ فَاعِلا للقبيح جَازَ أَن يصدق الْكذَّاب قُلْنَا مَا فِي الْمُسلمين من يَقُول إِن الله يفعل قبيحا
وَمن قَالَ أَنه خَالق أَفعَال الْعباد يَقُول ذَلِك الْفِعْل قَبِيح مِنْهُم لَا مِنْهُ كَمَا أَنه ضار لَهُم لَا لَهُ
ثمَّ الْآخرُونَ يَقُولُونَ إِن ذَلِك الْفِعْل مفعول لَهُ وَهُوَ فعل للْعَبد
وَأما نفس خرق الْعَادة فَلَيْسَتْ فعلا للعباد حَتَّى يُقَال إِنَّهَا قبيحة مِنْهُم
وتصديق الْكذَّاب إِنَّمَا يكون بإخباره أَنه صَادِق سَوَاء كَانَ ذَلِك بقول أَو فعل يجْرِي مجْرى القَوْل وَذَلِكَ مُمْتَنع مِنْهُ لِأَنَّهُ صفة نقص وَالله منزه عَن النَّاقِص
قَالَ وَمِنْهَا أَنه لَا يَصح أَن يُوصف الله أَنه غَفُور حَلِيم عَفْو لِأَن وَصفه بِهَذَا إِنَّمَا يثبت لَو كَانَ مُسْتَحقّا لعقاب الْفُسَّاق بِحَيْثُ إِذا أسْقطه عَنْهُم كَانَ غَفُورًا عفوا وَإِنَّمَا يسْتَحق الْعقَاب إِذا كَانَ الْعِصْيَان من العَبْد لَا من الله
فَنَقُول الْجَواب من وُجُوه
أَحدهَا أَن كثيرا من أهل السّنة يَقُول لَا نسلم أَن وَصفه بِهَذِهِ إِنَّمَا يثبت لَو كَانَ مُسْتَحقّا بل الْوَصْف بهَا يثبت إِذا كَانَ قَادِرًا على الْعقَاب مَعَ قطع النّظر عَن الإستحقاق فيفعل مَا يَشَاء وَيحكم مَا يُرِيد
الثَّانِي أَن قَول الْقَائِل يسْتَحق الْعقَاب يَعْنِي بِهِ أَن عِقَابه للعصاة عدل مِنْهُ أَو يَعْنِي بِهِ أَنه مُحْتَاج إِلَى ذَلِك
أما الأول فمتفق عَلَيْهِ فعفوه ومغفرته بِفضل وإحسان مِنْهُ وَهَذَا يَقُول بِهِ من يَقُول إِنَّه خَالق أفعالهم والقائلون بِأَنَّهَا أَفعَال لَهُ كسب لَهُم متفقون على أَن الْعقَاب عدل مِنْهُ
الثَّالِث أَن يُقَال الْمَغْفِرَة وَالْعَفو وَالرَّحْمَة إِمَّا أَن يُوصف بهَا مَعَ كَون الْعقَاب قبيحا
1 / 131