وفي سنة 1743 أظهر المتاولة أصحاب جبل عامل الخروج عن طاعة سعد الدين باشا العظم والي صيدا، وامتنعوا عن أداء الأموال الأميرية، وسطوا على إقليم التفاح التابع ولاية الأمير ملحم، فاستنهض الوزير الأمير لقتالهم فسار بعسكر من دير القمر حتى بلغ جسر الأولى عند صيدا، فأخذ الرعب المتاولة من قدوم الأمير فوجهوا رسلا وهدايا إلى الوزير يلتمسون الصفح، ويتعهدون بدفع ما بقي عندهم من المال، ومال آخر فكتب إلى الأمير يخبره بما كان، ويأمره بالعود إلى بلاده فأبى الأمير الامتثال، وسار إلى قرية نصار وفيها بنو منكر وبنو صعب ومحازبوهم، فخرجوا لملتقاه بعسكرهم فهجمت عليهم رجال الأمير، فاندفعوا مدحورين فتعقبهم اللبنانيون وقتلوا بعضهم، وتحصن الباقون في القرية، فوثب عليهم رجال الأمير، وقتلوا منهم ألفا وستمائة قتيل، وقبضوا على أربعة من مشايخهم ونهبوا القرية وأحرقوها، وعاد الأمير إلى دير القمر ظافرا معتزا، وكتب إلى الوزير يبشره بالظفر، فأجابه مظهرا رضاه ومثنيا عليه وأرسل له نفقات العسكر، ثم توسط الشيخ علي جنبلاط أمر تخلية سبيل المشايخ المسجونين، فأجابه الأمير إلى ذلك بشرط أن يدفعوا كل سنة ستة آلاف قرش وفرسين من جياد الخيل.
وفي سنة 1747 تولى الأمير ملحم بلاد بعلبك، وسير إليها أخويه الأمير أحمد والأمير منصور يدبران شئونها، وأبطأ أخواه في أداء بعض مالها، فكتب إليه الوزير يطلب المال، وأغلظ له الخطاب وكان بين الأخوين نفرة، فوجس الأمير ملحم من ذلك ودعا أعيان بلاده إلى الاجتماع بالباروك للتشاور والاهتمام بجمع المال الباقي للخزينة، فأرسل أسعد باشا رسولا يتجسس أعمال الأمير، وما ينوي، ففطن الأمير لما بطن وأظهر للرسول البأس والشدة، ولما عاد الرسول وبث لأسعد باشا ما رآه عزم الوزير أن يدهم الأمير على غفلة، وسار مسرعا إلى صحراء بر إلياس قاصدا قتال الأمير، فنهض الأمير عاجلا من الباروك وحل في المغيثة، فلما بلغ الوزير بر إلياس وجد نيران الأمير تسطع على المغيثة، فعلم أنه يقظ حذور، ثم زحف الأمير بجيشه نحو معسكر الوزير، فكانت وقعة بين العسكرين ظهر فيها العسكر اللباني، وتتبع العسكر الدمشقي إلى الجديدة وأهلك منه خلقا كثيرا، وعاد الأمير إلى البقاع فنهب بعض قراها وأحرقها، ووجه فريقا من عسكره إلى بلاد بعلبك، فأزاح الأمير حيدر الحرفوش الذي كان الوزير قد ولاه عليها، وولى الأمير مكانه أخاه حسينا، ولما علم أسعد باشا ما فعله الأمير ببعلبك احتدم غيظا وحنقا، وأخذ يجمع العساكر لقتال الأمير، ولكن نفذ الأمر السلطاني بضرب عنق أسعد باشا، وتولى مكانه ابن عمه سليمان باشا العظم، وتوفي سعد الدين باشا والي صيدا وخلفه عثمان باشا المعروف بالمحصل، وكان الأمير ملحم قد تأخر عن دفع بعض المال فطالبه به عثمان باشا، ثم شكاه إلى الباب العالي فصدر الأمر لوالي دمشق أن يساعد والي صيدا على إرغام الأمير على القيام بما عليه، فنهض عثمان باشا إلى جسر صيدا وأرسل فأحرق إقليم التفاح، وقطع شجر الزيتون القريب من نهر صيدا، فنهض الأمير بعسكره إلى مزبود قاصدا القتال ثم تصالحا ودفع الأمير ما كان عليه.
وفي سنة 1748 أرسل سلمان باشا والي دمشق إلى الأمير ملحم أن يطرد من بلاده بعض الإنكشارية، الذين كان قد طردهم من دمشق ولاذوا بحمى الشيخ شاهين تلحوق، وكتب الأمير إلى آل تلحوق أن يطردوا من لجئوا إليهم فأبوا رعاية للزمام، فوجه الأمير عسكرا فقاوموه فأحرق العسكر مساكنهم، وقطع أشجارهم وطردهم ونزلاءهم من البلاد، فنزحوا إلى راشيا إلى أن أمن الوزير أولئك الفارة فرجعوا إلى دمشق، وقتلهم جميعا وطلب المشايخ آل تلحوق العفو من الأمير، فعفا عنهم وعوضهم عما أتلفه لهم.
وفي سنة 1749 أرسل الأمير ملحم إلى الشيخ شاهين تلحوق أن يسطو على أطراف بيروت؛ لأن ياسين بك حاكمها لم يكن يجل الأمير، فشكاه الحاكم إلى والي صيدا، فعرض هذا الوالي ولاية بيروت على الأمير ملحم، فقبلها منضمة إلى ولايته وتوطنها الأمراء الشهابيون، وبقيت ولايتهم عليها إلى أيام الجزار كما سيأتي.
وفي سنة 1750 اعتدى بنو منكر المتاولة على إقليم جزين، وقتلوا رجلين من أتباع الشيخ علي جنبلاط، فحشد الأمير ملحم عسكرا وبلغ إلى جباع الحلاوة، حيث كان بنو منكر فظفر بهم وأهلك منهم ثلاثمائة رجل، وتحصن الباقون في مزار فوجه الأمير كتيبة يرأسها الأمير مراد اللمعي والشيخ ميلان الخازن، فأهلكوا أولئك المتحصنين، وفي هذه الأثناء اعتدى الشيخ شاهين تلحوق في البقاع على بعض المارة في طريق دمشق، فوجه سليمان باشا واليها نائبه بجماعة من جنوده، فهزموا الشيخ شاهين وقتلوا من أتباعه ثلاثة رجال، فنهض الأمير ملحم برجاله إلى البقاع وقتل كثيرين من جماعة نائب دمشق وفر الباقون، وأخذ سليمان باشا يتأهب لقتال الأمير ملحم، وعرف مصطفى باشا القواس والي صيدا بهذا الخلاف، فاهتم بإصلاح ذات البين بين سليمان باشا والأمير ملحم، وأصلح بينهما على أن الأمير يدفع للباشا خمسة وسبعين ألف قرش، فدفعها وأزال الخلاف.
وفي سنة 1715 اختصم رجل من دير القمر مع خادم للمشايخ النكديين، وقتل الخادم فقبض الأمير ملحم على القاتل وأودعه السجن، وعرضت أم القاتل مبلغا من المال تفدي به ابنها، ولم يكن القتل تصمما فتردد الأمير عن إهلاك القاتل، فهجم بعض النكدية على السجن؛ ليقتلوه فلم يصلوا إليه ولكن اضطر الأمير أخيرا أن يقتله مرضاة لهم وأكمن البغض لهم، وعزم على الاقتصاص منهم متى سنحت الفرصة، وكان بين الشيخ خطار والشيخ كليب النكديين عداوة، ونهض أحدهما على الآخر فنفاهما الأمير من البلاد، وحرق منازلهما بدير القمر، وأما هما فسارا إلى حاصبيا فأصلح الأمير إسماعيل واليها بينهما، وسأل الأمير العفو عنهما، ورجعا إلى المناصف ثم توفي الشيخ خطار، وطيب الأمير قلب الشيخ كليب فرجع إلى دير القمر وعمر منزله.
وفي سنة 1754 دخلت شوكة صبير في يد الأمير ملحم، فلم يكترث بها ودخل الحمام، وتطيب فورمت يده وتقرحت وخبثت القرحة حتى أعجزت الأطباء عن مداواتها، واشتغل بنفسه عن تدبير البلاد فطمع أعيانها به، وائتمروا عليه مع أخويه الأميرين أحمد ومنصور، فترك لهما مقاليد الولاية مكرها، وسار هو بعياله إلى بيروت وتوطنها متنزها عن الأحكام، ومنقطعا إلى درس الفقه ومعاشرة العلماء إلى أن دهمه مرض الموت سنة 1761 فدعى الشيخ سعد الخوري صالح من رشميا، وأقامه وصيا على أولاده؛ لأنهم كانوا صغارا وهم ستة أمراء محمد ويوسف وقاسم وسيد أحمد وأفندي وحيدر، وتوفي ببيروت، ودفن في جامع الأمير منقذ التنوخي وعمره ستون سنة. (3) في ما كان بسورية في أيام السلطانين عثمان الثالث ومصطفى الثالث
إن السلطان محمود الأول أدركته الوفاة سنة 1754، وتسنم منصة الملك بعده السلطان عثمان خان الثالث، فلم يفسح الله في أجله، بل توفي في سنة 1757 وخلفه السلطان مصطفى خان الثالث، ومما كان في أيامهما بسورية أنه في سنة 1755 ولي عبد الله باشا الشتجي على دمشق، فحضر إليها ومعه ثلاثة عشر ألف رجل لما كان من العداوة بين الإنكشارية والقابوقل، فاجتمع أهل دمشق إلى الميدان قاصدين منعه عن الدخول إلى المدينة، فدهمهم ليلا وقتل منهم كثيرين ودخلها، وأمن المدينة وردع الأوباش فيها، وفي هذه السنة وقعة نفرة بين الأمير أحمد وأخيه الأمير منصور وبين ابن أخيهما الأمير قاسم ابن الأمير عمر، فنزح الأمير عمر إلى البقاع، وقطع الطريق على من يحضرون إلى بلادهما، فأرسل عماه يسترضيانه وأعطياه غزير ... ولما رأى الأمير ملحم أن أخويه لم يحفظا الزمام له دعا الأمير قاسم، وأشار عليه أن يتوجه إلى الأستانة، وأن يلتمس من الباب العالي الولاية على جبل الشوف للأمير ملحم، ويلتمس لنفسه الولاية على بلاد جبيل، وأن تكون الولايتان إقطاعا لهما ولذريتهما، فسار الأمير قاسم سنة 1758 إلى الأستانة فرحب به مصطفى باشا القواس الذي كان قبلا واليا في صيدا، ووعده بقضاء حاجته، وحال دون ذلك وفاة السلطان عثمان وخلافة السلطان مصطفى، وعزل مصطفى باشا المذكور، لكنه أوصى علي باشا الحكيم الذي خلفه في الدفتارية بالأمير قاسم، فأصحبه بكتاب إلى عبد الله باشا والي دمشق المذكور، فالتقاه هذا الوالي مرحبا وعرض عليه ما يريد من الإقطاعات في ولاية دمشق، فلم يقبل أحدها ثم عزل عبد الله باشا عن ولاية دمشق، وعيل صبر الأمير قاسم فأتى إلى فالوغا ونزل على الأمير شديد مراد اللمعي، وكاتبه عماه في أمر الصلح فأجابهما إلى ذلك، وحضر من فالوغا إلى دير القمر، فقابلهما وتوجه إلى الحدث فتوطنها، ثم حضر إليه رسول من قبل الباب العالي وبيده أمر إلى نعمان باشا والي صيدان أن يولي الأمير قاسما على الشوف وملحقاته، فأرسل الأمير قاسم إلى عميه يقول: إنه مقيم على العهد ويؤثر رضاهما على الولاية، وطلب منهما سبعة آلاف قرش؛ ليدفعها صلة لرسول السلطنة، فلم يشأ عماه دفعها، فنهض إلى صيدا ورفع الأمر إلى عثمان باشا فخلع عليه خلعة الولاية على الشوف، وعاد إلى بيروت فجأة فاستولى عليها، وفر عماه ولم يشأ أن يؤذيهما، لكنهما جمعا أكابر الجبل فرفعوا عريضة إلى والي صيدا أنهم لا يرضون أن الأمير قاسما يحكم فيهم، بل يلتمسون إعادة الولاية إلى الأميرين أحمد ومنصور، ودفعوا له خمسين ألف قرش، فعزل الأمير قاسما فسار إلى البقاع، وكتب له عماه راغبين في الصلح معه فأجابهما إلى ذلك، وفي سنة 1762 زوجه عمه الأمير منصور بابنته؛ ليقربه إليه فولد له منها الأمير حسن والأمير بشير الكبير، وفي آخر أمره انتقل إلى غزير، وتوفي بها سنة 1767.
وفي سنة 1762 وقعت نفرة بين الأمير منصور وأخيه الأمير أحمد، وكان أعيان ولايتهما منقسمين على حزبين يزبكي وجنبلاطي، وكان الأمير أحمد يميل إلى الشيخ عبد السلام زعيم اليزبكية، والأمير منصور إلى الشيخ علي جنبلاط زعيم الجنبلاطية، فسار الأمير أحمد إلى دير القمر عازما أن يستبد بالولاية، وتوجه الأمير منصور إلى بيروت، وكتب إلى محمد علي باشا العظم والي صيدا؛ ليجعله متفردا في الولاية فلبى دعوته، وسار بعسكر إلى حرش بيروت لمساعدته ونهض الأمير منصور لقتال أخيه في دير القمر، فقام الأمير أحمد إلى كفر نبرخ، ودعى اليزبكية لقتال أخيه فلم يجيبوه إليه، بل انقاد زعيمهم وغيره إلى الأمير منصور، فاستقل بالولاية وكان مدبره الشيخ منصور أده، وتوسط الشيخ علي جنبلاط والشيخ عبد السلام العماد الصلح بين الأميرين، فاصطلحا على أن الأمير أحمد يسكن في دير القمر غير متعرض لأخيه في الولاية، وكان الأمير يوسف أخوهما من حزب الأمير أحمد، فضبط الأمير منصور أملاك باقي إخوته، وهدم مساكن الشيخين كليب وخطار النكديين؛ لأنهما كانا من خدام الأمير أحمد، وسعى الشيخ علي جنبلاط بالصلح بين الأمير منصور والأمير يوسف، فرضي الأمير منصور عن الأمير يوسف، لكنه ما برح ضابطا أملاكه وأملاك إخوته.
وكان الشيخ سعد الخوري وصيا ومدبرا لأولاد الأمير ملحم، فأخذ يخابر أعيان البلاد بشأن ضبط الأمير منصور أملاك إخوته، ونصح الشيخ علي جنبلاط الأمير منصور، فلم ينتصح فانحاز إلى نصرة الأمير يوسف واتفق مع الشيخ كليب النكدي على مخالفة الأمير منصور، وممالأة الأمير يوسف، ونهض الأمير يوسف قاصدا دمشق ومعه الشيخ سعد الخوري، وكان واليها حينئذ عثمان باشا الكرجي فكتب هذا الوالي إلى ولده محمد باشا والي أطرابلس أن يولي الأمير يوسف بلاد جبيل، فولاه على بلاد جبيل والبترون سنة 1763، واستقر في جبيل واليا فتقاطر إلى الأمير يوسف محازبوه من الشوف وغيرها، وكثر أصحابه وأعوانه وارتفع شأنه بتدبير الشيخ سعد الخوري، وكان المشايخ آل حمادي يتولون جبيل والبترون، فحاربهم الأمير يوسف وكسرهم في عدة مواقع حتى أضعفهم عن طلب الولاية، وفي سنة 1764 استنجده عثمان باشا والي دمشق لفتح قلعة سانور، فسار الأمير بجيش من لبنان والتقاه الوزير وحاصروا القلعة، فلم يفتحوها حينئذ ولكن غمر الوزير الأمير بإكرامه ووجس الأمير منصور من الأمير يوسف، وفي سنة 1766 قبض الأمير يوسف على جماعة من الحمادية، فأمدهم والي أطرابلس بعسكر وحضروا إلى بزيزا بكورة أطرابلس، فسار الأمير يوسف إليهم فانتشب القتال في أميون وانكسر عسكر أطرابلس، وحاصر جماعة منهم في البرج الذي بأسفل القرية، فقتل الأمير منهم عدة رجال فاستسلموا إليه، وانصرفوا إلى أطرابلس ورجع الأمير إلى جبيل. وفي سنة 1667 ولد للأمير قاسم ولد سماه بشيرا وهو الأمير بشير المعروف بالكبير، وبعد ثلاثة أشهر ونصف توفي الأمير قاسم. وفي سنة 1770 توفي الأمير إسماعيل أرسلان بلا عقب، فأوصى بماله للأمراء آل شهاب، واختلف الأمراء على قسمة الموصى لهم به، فأصلح الأمير منصور بينهم تاركا نصيبه، فأخذ الأمير علي العقار الذي بوادي شحرور، والأمير يونس ما كان للموصي في برج البراجنة، والأمير سيد أحمد طاحون المخاضة، وبعض العقار بنهر بيروت.
صفحة غير معروفة