falsificationism «كان بوبر مناوئا لفكرة أن المعرفة العلمية تتراكم عن طريقة تأييد الفرضيات أو تحقيقها، وفي تصور شديد الاختلاف والجدة لدينامية العلم ذهب بوبر إلى أن الفرضيات لا تكون جديرة حقا بالقبول ما لم تكن قابلة للتكذيب، كانت فكرته مدمرة وبسيطة: من السهل أن تجد أمثلة مؤيدة للفرضيات، سهولة تجعل من المستبعد أن يكون هذا هو طريق العلم الصحيح، تأمل مثلا فرضية بسيطة مثل: «جميع النباتات تتكاثر جنسيا»، فإذا كان كل ما يلزمني هو الشواهد المؤيدة لذلك، فإن بميسوري أن أهرع إلى الحديقة وأكتشف أن جميع الزنابق الستمائة وأربع وستين تتكاثر جنسيا، وهلم جرا، وسرعان ما يجتمع لدي عدد هائل من الأمثلة الموجبة، ومع ذلك فلو اطلع أي عالم نبات على عملي فلن يأبه له؛ لأنني لم أحاول أن أجد مثالا «مفندا»، لم أنظر إلى حالات يمكن أن تكون «أمثلة مضادة»
counter-examples ، فقبل تبني أي فرضية ينبغي علي أن أفحص كثيرا من الأنواع المختلفة من النباتات المزهرة، وأن أفحص الأعشاب والسراخس، وبعامة، يجب علي أن أحاول جهد ما أستطيع أن «أكذب»
falsify
فرضيتي.
تأمل فرضية أخرى، وهي الفرضية القائلة بأن «منطقة بروكا» هي التي تتحكم في إنتاج الكلام، فلكي يبرهن المرء على هذه الفرضية فلن يكفيه أن يعثر على ارتباط موجب بين حالات تلف منطقة بروكا وبين فقدان الكلام، فلا بد للمرء أن يكشف ما إذا كان هناك مرضى بتلف في منطقة بروكا بدون فقدان للنطق ، وأن يكشف ما إذا كانت هناك حالات فقدان نطق مع تلف في مناطق أخرى، عندئذ سيكون الفشل في التكذيب ذا دلالة، بعكس تجميع الحالات المؤيدة، تفيد دعوى بوبر أن العالم إذا قبل الفرضيات عن طريق إيجاد أمثلة مؤيدة فسوف ينتهي به المطاف إلى قبول ما لا يحصى من الفرضيات الكاذبة والسير فيما لا يحصى من الطرق المسدودة، أما إذا ظفر بفرضية صمدت لمحاولات عنيفة لتكذيبها، فعندئذ يمكنه قبول هذه الفرضية، لا باعتبارها صادقة، ولا باعتبارها مؤيدة، بل باعتبارها أفضل فرضية متاحة حتى الآن.»
4
يمكننا أن نفسر العلاقة المنطقية بين التحقيق والتكذيب كما يلي: تتنبأ النظرية القائلة بأن الدببة القطبية يجب أن تكون بيضاء بأن الدب الذي سأراه في المرة القادمة سيكون أبيض، فإذا حدث أن كان الدب القادم أبيض حقا فقد يغريني ذلك بأن أقول إن مشاهدتي هذه تؤيد النظرية، ولكن الحقيقة أن هذه المشاهدة لا يمكن أن تعد برهانا نهائيا على صدق النظرية؛ ذلك لأن هناك احتمالا سيظل قائما أبدا بأن يأتي دب قادم في رتل الملاحظة غير أبيض، وإذا حدث هذا تكون هذه الملاحظة وحدها كافية لتكذيب النظرية بصفة نهائية، هكذا يتبين لنا أن التأييد لا يحسم أمر النظرية بينما التكذيب يمكن أن يكيل للنظرية ضربة واحدة قاضية.
التكذيب إذن، وليس التأييد، هو معيار العلم.
أما عن التأييد فإن بوسع أي نظرية أن تجد لها ما شاءت من الأدلة التي تتسق معها وتؤيدها، وتزعم معظم النظريات التي تدعي الصفة العلمية أنها مشيدة أصلا على أساس التفكير الاستقرائي؛ أي استقراء كل الحالات المعروفة واستخلاص تعميم يشملها جميعا، وماذا يكون التأييد هنا سوى الإتيان بمزيد من نفس الصنف من الحالات؟! إن هذا من الوجهة المنطقية هو عقم لم يأت بجديد، أما المنهج المجدي عند بوبر فهو أن نفكر استنباطيا ونفتش عن حالات مفندة للنظرية؛ لأن العثور على مثال مضاد واحد سيكون كافيا للإجهاز عليها، أما إذا صمدت النظرية ستعد قوية وأهلا بالأخذ بها باعتبارها أفضل فرضية متاحة آنيا. (2) فرنسيس بيكون : المثال السلبي فوق المثال الإيجابي
اقرأ واستمع: لا لكي تماري وتفحم، ولا لكي تعتقد وتسلم، ولا لكي تظفر بحديث أو قول، بل لكي تروز وتمحص.
صفحة غير معروفة