الزواج عندنا حاجة من الحاجيات، كلما اشتد إحساس الشاب بها كان أكثر مؤانسة في قضائها، هو يبقى عزيز النفس أبيا عن أن يقع في زواج لا يكون على غرضه ما دامت الحاجة لا تصرخ في وجهه منادية قضاءها، فإذا ما صرخت ضعف دونها وترك نفسه تذهب لأول ما تلاقي، هو في ذلك كمثله في الحاجة للطعام، ما دام شابعا لا يقبل علي شىء إلا إن وجد فيه من شديد اللذة ما يجلبه نحوه، وإذا ما تكون أمعاؤه وصاحت في بطنه أحشاؤه قبل بنفس مفتوحة كل طعام يقدم إليه، أخشى أن يكون أمره في الحال الأولى كأمره في الحالة الثانية، متى راجع أحشاءه هدوؤها ونظر إلى ما أمامه بعين هادئة تقزز منه وقد يرفسه برجله، فكرة سائدة عند معظم الشبان إن لم يكن عند كل الناس أنهم هم وحدات ممتازة عن الآخرين، وتعيش غير حياة هؤلاء الآخرين، فواحدهم يعتقد أنه أكثر من كل من سواه، لا يمكنه أن يعيش من غير أن يحب، وأن اليوم الذي يمر عليه من غير أن يكون مملوكا لهاته العاطفة يوم تعس، ثم يقول في الوقت عينه: «ولا أحسب في ذلك مثلي أحد»، آخرون يعتقدون أنهم أكثر من كل الناس لا يستطيعون العيش من غير أن يفكروا، ويعجبون كيف يتسنى للآخرين أن يبقوا ساعات سكوتا من غير تفكير، غير هؤلاء يخيل لهم أنهم لا يستطيعون أن يقولوا غير ما يعتقدون، ويندهشون جدا كيف يمكن لإنسان بدعوى التأدب أن يقول أو يعمل غير ما في فكره، هؤلاء جميعا بين جاهل نفسه وجاهل الناس أو جاهلهما معا، فجاهل نفسه الذي يصل إلى التهويل في كل شأن من شؤونه، وجاهل الناس الذي يعتقد أن لا أحد مثله، وهم جميعا يذكرونني ببعض أيام كنت فيها شديد الاعتقاد بأن تركيب أعضائي ليس كتركيب أعضاء الآخرين، وأنه إذا تشابهنا ظاهرا وكان لي فم وأنف ويدين وساقين فإن سوى ذلك يخالف عندي ما عندهم كل المخالفة، وأحسبهم إذا فكروا يعودون مثلي إلى الاعتقاد بأن الناس متشابهون جدا وفي كل شيء وإذا رأينا منهم غير ما نحسه لأنفسنا فذلك لأننا ننظر لهم بغير العين التي ننظر بها لأنفسنا، كما أن ندرس ظاهرهم السطحي إن جسما وإن خلقا، ولو أنا نقرأ ما يكتبه بعض الأشخاص عن أنفسهم أو ما نجده في الروايات من الأبحاث، تعلمنا كم بين الناس من الشبه وأنهم أقرب جميعا للصغر منهم للفظة.
30 يونية
تركت باريس يوم الثلاثاء 27 يونية بقطار الساعة العاشرة مساء، كنت أتناول طعام العشاء ذلك اليوم مع صديقي ع. ف. في (بولان)، وبعد برهة جاء جماعة من المصريين النازلين باريس فجلسوا على المائدة التي أمامنا، جلسوا ثلاثة وفتاة معهم وكلهم يتكلمون وهي ساكتة، فتاة جذابة أكثر منها جميلة، دقيقة القوام بسيطة الملبس، ابتدءوا حديثهم عن مسائل وأشخاص وجعلوا يبدون ملاحظاتهم على العادة المصرية من رفع الصوت، ولكن كلامهم كان دائما محصورا في حدود الأدب لا يتعداها، مع أن ذلك ليس شأن الأ كثرين ممن يحضرون، ولم يبدوا ملاحظة إلى الخادمة ولا هم غمزوها بكلمة كما هي عادتهم وعادة أمثالهم.
أخيرا تكلمت الفتاة على ذكر واحد من معارفهم، تكلمت بصوت رقيق، رنان ولكنه لا يكاد يبين، ويتخلل عباراتها المصرية من حين لآخر كلمات بالفرنساوية، والواقع أني دهشت أن سمعت مصرية، مصرية اللهجة، تتكلم على هذا النحو وبتلك الرقة المتناهية.
حين عرفت أنها مصرية عرفت سر تأدب الجماعة في القول وتأدبهم في العمل، وأنا على يقين من أنهم لو كانوا يختلطون بمثلها كثيرا لزال عنهم كثير مما يزال عالقا بهم من رفع الصوت دائما والحدة فيه أحيانا.
كذلك أدهشني أن تكون مصرية بدقة قوام هاته الفتاة، رأيت في العام الماضي بلوزان وفي باريس مصريات ولكنهن جميعا يحملن علم الجمال المصري (بيضة وسمينة)، ولا شك أن أهلهن فرحن بهن لأنهم يعملون أن سوقهن في مصر لا في فرنسا، لكني أحسب الذوق مهما كان مقلوبا عندنا على اليوم فإن خروج أمثال هاته الفتاة أمام نظر أصحاب الذوق لا بد يردهم عن هذا العمى القديم.
بقي معي حتى ودعني على المحطة صديقي حمدي، وافترقنا حين سار القطار الساعة العاشرة.
كان معي في ديوان واحد ستة غيري، بينهم أربعة تجمعهم صلة تبين من خلال ما عملوا، فما كدنا نبتعد بعض الشيء حتى جلس الأربعة كل اثنين مقابل بعضهما: أمريكية (أو ألمانية لا أدري) مع أسبانيولي، جلسوا بطوق كل صاحبته بذراعيه، ذكروني بصاحبي الأسبانيولي على الباخرة من دييپ إلى نيو هيڤن في العام الماضي، ولكن هذين كانا جالسين بحكمة ووقار ... بعد برهة أخرى انتقل جاري وصاحبته إلى الجهة المقابلة ثم جعلوا ينظرون لنا نحن المنفردين بعيون حيرى، وننظر لهم بعين جمعت مع الاشمئزاز الريبة والشك، ولكنهم لا يرجعون عما هم فيه.
طمست على النور حتى لا أراهم، وحاولت أن أنام فما لبثت الظلمة أن شدتهم حتى تعاقبت القبلات من جانب وآخر ترن متوالية من غير انقطاع، ثم رحت في سنة لم أتميز معها ما يعملون.
بعد منتصف الليل، أقلقوا راحتي إذ جاءوا فجلسوا إلى جانبي، ولكنهم هذه المرة حاولوا أن يناموا وحاولت أنا الآخر ولكن عبثا، وبقيت حتى وصلنا بازل وآن أن نغير القطار، فنزلت وتناولت طعام إفطاري في بوفيه المحطة، طعام نظيف وحلو، ثم قمت مع قطار الساعة السابعة إلى لوسرن.
صفحة غير معروفة