وقد بدأت اللجنة أعمالها بتوجيه خطاب مفتوح لأعضاء لجنة اللورد ملنر وقد جاء فيه:
أيها السادة ...
قررت مصر نهائيا ألا تفاوض لجنتكم الموقرة ما دامت تشتمل على أن تكون مصر تحت الحماية البريطانية.
ومع هذا فإننا نستحسن أن نعطيهم فكرة عن الحالة الحاضرة في مصر كما هي في الواقع، وكثير من الناس قد أبوا رأيهم في أسباب هذه الحركة، وبعضهم قد أصاب قليلا، ولكن معظمهم كانوا بعيدين عن الصواب.
الحركة المصرية حركة وطنية محضة، خالية من كل صبغة دينية أو تأثير تركي، ولا دخل للبلشفية فيها مطلقا، وليست نتيجة حالة الغلاء الحاضر كما ذكر بعضهم.
والمسألة المصرية وطنية محضة ... ويمكننا أن نقول إن ثورة اليوم هي نتيجة سوء الإدارة في مصر، وحقيقة لا يمكننا أن نقول: إن سوء الإدارة هو السبب المباشر في إحداث هذه الثورة، ولكن لا يمكننا أن ننكر أن سوء الإدارة قد أيقظ الصفات الكامنة في المصريين.
إن نار الوطنية الحقيقية التي تزكيها المدنية الصحيحة، وإن أخمدتها الفتوحات المتعددة والمدنيات المظلمة، إلا أنها كامنة على الدوام، وقد ساعد على اشتعالها ثانية النفوذ الإنكليزي ومدنية القرن العشرين، وقد قدم سوء الإدارة البريطانية الوقود من جديد لاشتعال هذه الروح في قلوب المصريين.
تفخر إنجلترا بأنها حكمت مصر حكما صالحا في الماضي، ونحن نشكرها على ذلك. ولعظمة إنجلترا شأن كبير في ذلك النجاح رغما عما يقوله اللورد ملنر من أنه لا يوجد شيء اسمه عظمة، فلم تكن العظمة المشار إليها عظمة القوة العسكرية التي حفظت خضوع المصريين وهدوءهم في مدة الحكم البريطاني، فإن المصريين لا يخافون المدافع، ولكنها العظمة الناتجة من حسن سمعة إنجلترا.
ولا بد أن إنجلترا قد حضرت إلى مصر لذلك الغرض الوحيد، وهو تأييد مصالحها التجارية وتمهيد الطريق إلى الضم النهائي. فطمع إنجلترا هو ضم مصر، ولكن خوف الاصطدام مع مصالح الدول الأخرى هو الذي جعلها تدعي خلاف ذلك. فلذلك أعلنت إنجلترا أنها دخلت البلاد لأسباب غير حقيقية. وعلى ذلك نكون قد سرقنا في ظلام الليل في الوقت المناسب الذي أمكن إنجلترا فيه أن تفاوض الدول الأخرى على ضحايا مماثلة ... فإذا كانت إنجلترا تنظر للأشياء على حقيقتها، فإننا لا نزال نرجو أنها لا تدور على روح الشهامة والرجولة فتقبل هذا المركز البغيض.
ومصر من الجهة الأخرى كانت تعيش على وهم أن إنجلترا صادقة، وقد اعتمدت على كلمات الشرف التي صدرت منها ولم تشك لحظة واحدة فيها ... وقد قدمت لها كل أنواع المساعدة، فقدمت إلى جيش فلسطين ما يحتاجه من رجال وحيوان ومحصولات، وأصبحت مركزا حربيا للجيوش البريطانية في الشرق. وكل مصري بسلامة نية وباطمئنان عول على شرف إنجلترا وعدالتها، ولكن ظهر بعد ذلك للأسف وبعد فوات الفرصة أنه بمساعدة القائمين في وجه الاستعمار الألماني قد وقعت مصر في أنياب استعمار أعظم وهو استعمال الدولة التي أسرفت مصر في الثقة بها والميل إليها.
صفحة غير معروفة