وفي يوم 7 أغسطس غادر خورشيد القلعة وأخذ طريقه إلى بولاق لركوب السفينة التي أقلته إلى الإسكندرية.
ولقد كان ما أظهره محمد علي من المهارة السياسية أثناء هذه الحوادث مما يعتبر - والحق يقال - خارقا للمألوف؛ فإنه أولا ساعد المماليك على قهر خسرو باشا، ثم إنه رجح بعد ذلك كفة أحد حزبي المماليك ضد الحزب الآخر، وبعد هذا وذاك شد أزر خورشيد باشا ضد المماليك ، وأخيرا وضع نفسه على رأس أهالي القاهرة في ثورتهم على خورشيد، وأيضا على الأتراك والمماليك بالتوالي. ولكنه كان في كل هذه الحركات واقفا عن كثب لا يسمح لنفسه بالتورط في تأييد أحد من هذه الأحزاب المتطاحنة، ثم إنه تمكن في نهاية الأمر من نيل رضاء السلطان بتوليته ولاية مصر، ولقد شاء بعض الباحثين أن يرى في سعي محمد علي للحصول على موافقة السلطان؛ رغبة منه في صبغ قوته بصبغة قانونية. ولكن محمد علي كان سياسيا عمليا قوي الشكيمة، لا يعنى إلا بلباب الأمور دون قشورها؛ ولذا لم يكن يحفل كثيرا بقيمة الحق المعنوي. على أن اعتراف السلطان لم يضاعف نفوذ محمد علي داخل مصر نفسها؛ لأنه لم يكن يتوقع لوصول إمدادات من الجنود من الآستانة لتأييده، ولا أن يواصل الباب العالي تأييده ولو أدبيا، بل إن الديوان المغامر الذي نخر سوس الرشوة عظامه لن يتردد في أن يقلب له ظهر المجن متى ظهر على المسرح مرشح يمكن أن تعقد عليه الآمال، هذا إلى أن المماليك كانوا لا يزالون يحتلون الوجه القبلي بأسره وجزءا غير قليل من الوجه البحري. ولكن الاعتراف الشاهاني بولايته قد أراح باله مؤقتا على كل حال، وجعله يطمئن إلى عدم التدخل من ناحية تركيا ولو إلى أجل مسمى. وهكذا صار في وسعه - ولو لبضعة أشهر - أن يتفرغ للمماليك وحدهم دون أن يكون مضطرا للموازنة بين الأتراك والمماليك، إلا إذا تدخلت في شئون مصر إحدى الدول الأوروبية العظمى صدفة.
ومهما كان من أمره فقد كان الشك يحيط بمركزه؛ لأن جيشه لم يكن يمكن الاحتفاظ به كمجموعة متحدة إلا عن طريق دفع المرتبات بانتظام أو إطلاق يده في أعمال السلب والنهب. ولذلك كان لا مفر له من الالتجاء في نهاية الأمر إلى سلوك خطة الابتزاز، وهي التي قضت على أسلافه، وفي الوقت نفسه ماذا عسى كان يكون مسلك الدول الأجنبية حياله؟ نعم؛ إن دورفيشي قد يسلم بمقدرة الباشا ويعترف بمواهبه الماكييفالية، ولكنه لم يكن يرغب وقتئذ في استمرار إدارته ، ثم إن زميله المعتمد الإنجليزي ميسيت لم يكن ميالا لاستمرار حكم محمد علي. وفي الواقع، إن كلا منهما كان قليل الثقة بحسن نية الباشا،
25
كما كان يرتاب في قدرته على الاحتفاظ بمركزه،
26
ومن ثم شرع المعتمدان المذكوران يشجع كل منهما حزبا معينا من أحزاب المماليك، على أن إجماع المعتمد الإنجليزي والفرنسي على مخاصمة محمد علي قد دفعه بالعكس إلى التقدم حثيثا إلى الأمام، وحفزه إلى العمل للحيلولة دون اتفاق كلمة المماليك ضده. وعلى الرغم من ذلك لم يكن دورفيشي مخدوعا بقوة البيكوات من الناحية العسكرية، وحسبك دليلا على هذا قوله:
إن زعماء البيكوات - حتى ولو اتحدت كلمتهم جميعا - ليس لديهم من الرجال ما يزيد عن 800 من المماليك، بينما الباقون هم شراذمة من اليونانيين والعثمانيين والأعراب الذين لم ينضموا إلى قضية البيكوات إلا طمعا في إشباع شهواتهم في النهب والسلب، وقد مضى الوقت الذي كان المماليك يخرجون فيه للقتال وراء زعمائهم كالضواري غير هيابين ولا وجلين يستقبلون الموت بنفوس هادئة. ثم إنهم أصبحوا هيئة ينقصها النظام والمران، وبعد أن كان بلاط البيكوات يعتبر بمثابة مدرسة للنظام العسكري وللتحلي بفضائل الأخلاق أصبح مهدا للرذيلة ولمخالفة النظام. وليس من ريب في أن معيشة المماليك في الزمن الأخير معيشة القبائل الرحل التي تقوم على السلب والنهب قد دفعهم إلى هذا الدرك الأخلاقي السحيق.
27
ثم ختم المعتمد المذكور أقواله عن مصر بألا أمل لها في أن تذوق طعم النظام أو الحكم الصالح إلا إذا عاد الاحتلال الفرنسي.
صفحة غير معروفة