9
والمرجع في هذا البوار والتعطيل إلى سببين رئيسيين: (الأول) عدم وجود المواد الأولية كالحديد والفحم، في البلاد، وضرورة استحضارها من الخارج بأثمان باهظة كان من شأنها جعل مجاراة المصنوعات المصرية للمصنوعات الأجنبية، في أثمانها، ومساواتها فيها، أمرا متعذرا؛ و(الثاني) أخذ الحكومة المصرية بمبدأ الاحتكار التجاري، وهو مبدأ من شأنه قتل كل همة فردية والقضاء على روح كل إقدام.
ولم تجد الصناعة تعضيدا من خلفاء (محمد علي) الثلاثة الأول، فإبراهيم لم يعش؛ وعباس لم يهتم؛ وانصرفت الأمة في مدة سعيد بكلياتها وجزئياتها إلى الفلاحة، عقب التسهيلات التي قدمت لها، ولم تكن قد اعتادتها. على أن تهافت الأجانب على القطر في مدة سعيد، أوجب توسع العمارة بالإسكندرية، مع ما توجبه شيئا فشيئا من تغيير معالم ونشوء مصانع ميكانيكية؛ ولكنه لم يدخل تغييرا محسوسا، حتى ولا تعديل على نظام الصناعات والفنون البلدية.
فبقي هذا النظام معمولا به كما كان منذ قديم الزمان: أثرا للماضي الفرعوني؛ واتخذ من العصر التركي اسما جديدا لم تعهده مصر العربية وهو «الطوائف».
فكل صناعة أو حرفة كان يقال لها: «طائفة» وكان لكل طائفة شيخ ينتخبه كبار رجاله، وتصدق الحكومة على تعيينه مقابل رسم يدفعه إليها، ويختلف مقداره مع اختلاف الأيام.
فمتى تعين الشيخ رسميا، أصبح حاكم «الطائفة» المطلق والمسئول الوحيد عن كل شئونه، فهو الذي يحدد أثمان العمل؛ ويرتب درجات الأجور؛ ويقبل دخول أعضاء جديدين في الطائفة؛ ويرشد إلى كيفية إنجاز الاتفاقات؛ وينتدب الصناع الذين ينجزونها؛ ويجمع العوائد المفروضة على رجال الطائفة؛ ويمنح الأعضاء، ساعة قبولهم، الشهادات التي تثبت كفاءتهم وتبين مقدار الأجرة اليومية الواجبة لهم؛ لأنه إذا جاز لرجل الطائفة أن يقاول على الشغل بالقطعة، لم يكن يجوز له أن يقاول عليه باليومية؛ لأن يوميته كانت معلومة ومبينة في شهادته، ولا سبيل له إلى زيادتها ولا إلى تنقيصها، فكانت المزاحمة، والحالة هذه، معدومة بالمرة؛ وكان العمل على العموم تحت رحمة شيوخ «الطوائف»؛ فإذا بلغهم أن أحد رجال الطائفة اشتغل بأجرة زائدة على المبينة في شهادته أو ناقصة عنها جاز لهم أن يطلبوا عقابه من الحكومة وحبسه وينالونهما.
على أنه كان يباح للصانع أن يشتغل في فرعين من فروع فنه بشرط دفع ضريبة مضاعفة؛ كذلك إذا احترف بحرفتين - وهو ما كان نادرا - إلا إذا اتفق سرا مع الشيخ، وحمله برشوة على غض نظره.
10
أما الصناعة الغربية المستوطنة، فلم تكن خاضعة لهذا النظام، ولكنها لقلتها، لم يكن في استطاعتها أن تزاحم الصناعة المحلية، مزاحمة محسوسة، ومن المعلوم أن قلة المزاحمة تعود الخمول، وتحول، عادة، دون تحسين العمل ورقيه وبلوغه درجة الكمال.
فلا عجب، والحالة هذه، من بقاء الصناعات والفنون المحلية في مستوى واحد، طوال المدة ما بين سنة 1800 وسنة 1863.
صفحة غير معروفة