كنت أشعر أن الممر بارد جدا، كأنه مفروش بالصقيع مع أنه لم يكن باردا كما عرفته فيما بعد. صارت برودته زمهريرا؛ لأني كنت عاريا مجردا من أي قطعة على الإطلاق، غارقا في عرق تصبب مني بغزارة أثناء التعذيب، وأيضا لأني بلغت من الضعف منتهاه، وخارت قواي للآخر، فصار كل شيء باردا عندي وإن لم يكن في واقعه ونفس أمره كذلك، وهكذا هو العالم، ليس هناك من حقيقة واحدة فيه ثابتة. كل الأشياء فيه لها صور متعددة لا عد لها ولا حد، كل واحدة منها تناسب من يراها، صور بعدد أنفاس الخلائق.
7
لم أعرف بالضبط لماذا كانوا يسيرون بي هكذا مسرعين في الممر البارد ولفترة لم تكن قصيرة؟ هل كان جزءا من علاج طبيعي لإعادة الوعي خوفا من سقوطي في غيبوبة، وتحفيزا للجسد المتهالك للعودة إلى وضعه الطبيعي؟ لا أدري، ثم ألقوا بي إلى حائط أستند إليه وأنا معصوب العينين مشلول اليدين تماما لا أقدر حتى على تحريك إصبع واحد مع أنهما كانتا طليقتين من القيود لأول مرة في تلك الليلة الدامية. عاريا من أي خرقة ملابس تغطيني، يحيط بي صمت بارد، بعد أن تلاشت كل الأصوات التي كانت تتنافس على إصدار الصخب وإنزال العذاب. ثم تناهى لسمعي بعد برهة وقع أقدام تتقدم بخفة ولكن بسرعة لا تحدث صوتا إلا بما يشبه الهمس، جلس صاحبها أمامي مباشرة وأغلق فمي برقة وطلب مني ألا أنبس ببنت شفة وهو يطبق سبابته على شفتي. بدأ بتحريك يدي المشلولتين يثنيهما بقوة أوجعتني جدا، كدت أصرخ من شدة الألم. وبدلا من الصراخ أعلنت احتجاجي على هذا الوجع بتأوه ضعيف احتراما لطلبه الرقيق مني بالصمت، وأسكتني هذه المرة بحنان أكثر. صدقه كان يشع علي وينفذ بلا حواجز إلى كياني وأنا ألمس رحمة تنساب منه مثل النسيم تنعش روحي، وشفقة تفيض علي تسكن ألمي. قال لي: «إذا لم تتحمل هذا الألم الآن فسوف تفقد قابلية تحريك ذراعيك لما تبقى من عمرك، إني أفعل ذلك لصالحك.»
استسلمت له مصدقا ولم يكن بالإمكان إلا أن أفعل ذلك؛ فقد جاء متطوعا ليساعدني في تجاوز لحظة كانت ستغير وظيفة بعض أعضائي إلى الأبد. حينها لاح لي حنا مينا في إحدى رواياته وهو يقص علي كيف أن والده السكير الذي كان يظنه حنا مينا شرا محضا تحول إلى كتلة مشاعر إنسانية صادقة تحمل حنا الطفل المريض، وهو يركض به حافيا في البيداء هائما على وجهه باكيا يبحث عن علاج يخلص ابنه الصغير من حمى شديدة أصابته. يقول حنا مينا معقبا على تلك الحادثة: «في كل إنسان بقعة مضيئة.»
مثل وحي ظهر لي حنا مينا في هذا الغار، وقال لي: هذه هي البقعة المضيئة التي حدثتك عنها تشع عليك الآن من هذا الرجل قبالك. قم بشر بها كل من آمن بالإنسان.
مع أني لم أر وجه هذا الرجل أبدا، ولم أستطع التعرف عليه بعدها رغم بعض شكوك ساورتني في تشخيصه من صوته من بين أشخاص واجهتهم لاحقا من رجال الأمن، إلا أني لم أستطع أن أحدده بدقة ويقين حتى الآن. لكن هذا الجميل لم أنسه يوما ولن أنساه. حادثة أكدت لي ما أومن به دوما، إنه حتى عدوك يمكن أن يكون صديقك، وفي كل إنسان هناك منفذ للخير يمكن للنور أن ينفذ منه ويطرد الظلام كله ويملأ كل أرجاء النفس بالخير ويمسح الشر كله.
يوما ما سألتقي هذا الرجل، إما على هذه الأرض - ربما بعد أن يقرأ شهادتي هذه - أو بعد أن نعبر حاجز الدنيا إلى عالم الحقيقة والتجرد من الأشياء. وفي كل الأحوال سوف أشكره كثيرا وأكثر بكثير من كل الكلمات التي سطرتها الآن. سوف أشهد له الآن وبعدئذ أنه علمني أن ما أحفظه من قيم عليا كنت أقرؤها في الكتب لم تكن كذبة أبدا؛ علمني أن الإنسان يمكن له أن يكون إنسانا لو أراد ذلك، قد تكون هناك صعوبة في إنجاز الأمر لكن لا استحالة فيه أبدا، علمني هذا الرجل أن أحب عدوي أو ألا أبغضه على الأقل، وتيقنت أن الحب قيمة واقعية وليست مثالية كما يصورها الشعراء، ولا يحتاج أن يكون المرء نبيا أو قديسا ليفعل هذا. كل ما عليه فعله أن يعود لفطرته وسوف يرجع إنسانا ليس أكثر من هذا. أصلي لصديقي المجهول باستمرار، وأرجو أن تكون هذه البقعة المضيئة التي سطعت أمامي يومئذ قد ملأت روحه الآن وطردت كل الظلام. أتمنى هذا له كما أتمناه لنفسي، وآمل أن أطرد كل ظلام في حشاشتي من كره وغل لأخي الإنسان مهما كان موقفه مني.
بعد استراحة الحائط هذه التي لا أذكر كم من الوقت قد أخذت، تشوش ذهني كثيرا ولم أعد حينها بقادر على تخمين الأوقات ولا أي شيء آخر، أخذوني إلى الضابط المحقق. كنت قد استعدت قليلا من قواي، عيناي بدأت تتنفس بعضا من نور شاحب من خلال العصابة المتهدلة قليلا عنها، ثم أزاحوها تماما بأمر منه لأتلقى مفاجأة جديدة أخرى. ما الذي يحدث بحق آلهة الغضب والجحيم؟ أين هو النور الذي ينعكس من الأشياء كما يقول علماء الفيزياء؟ ما له لا يصل إلى عيني، هل أصابه الكساح؟ أم هل مات الضوء وصار الكون رماديا غائما؟ أم أن عيني تحتضران؟
مشهد رمادي معتم بدأ يستحيل تدريجيا إلى أشباح بلا معالم هنا وهناك. وقفت وسط الغرفة كما خمنته، في الحقيقة لم أكن أعرف أين أقف في هذا الكون كله، ضاعت كل الاتجاهات مني وصرت بوصلة بلا مؤشر. بقيت واقفا لمدة ليست بالقصيرة ويقف إلى جنبي رجل أمن واحد على الأقل أستند إليه يمسكني من زندي لئلا أقع. لم أعرف وقتئذ كم كان عدد الموجودين بالغرفة، كنت أسمع أصواتا لا أرى أصحابها، وشوش عقلي الخبر السيئ الذي تلقيته للتو بأني أضحيت لا أجيد النظر؛ ولهذا السبب لم أتمكن من حصر العدد ولا حتى محاولة تخمينه؛ لأني أصبحت في شغل عن هذه الأشياء.
قال الضابط موجها كلامه لي: «اجلس.»
صفحة غير معروفة