على سلالم كثيرة أنزلت إلى سرداب تحت الطابق الأرضي في زنزانة انفرادية، عرضها أقل من ثلاثة أرباع المتر، وطولها يكاد يضاهي طولي ذا الأقدام الستة، كنت وأنا أفترشها متمددا تصل أطراف أصابعي إلى الباب، ورأسي يلتصق بآخر الجدار، ارتفاعها لم يكن يجدي المرور من تحته إلا بانحناءة قصيرة مني لأدخل مسكني الجديد، انخفاضها الشديد دون غيرها سببه سوء طالعي؛ إذ إنها واحدة من زنزانتين تقعان تحت سلم.
زنزانتي هذه كانت نزل الحرية الوحيد في هذا العالم المستعبد من أباطرة القوة والجشع؛ إذ كنت أختلي فيها بعيدا عنهم وأعتكف معيدا ترتيب أفكاري. فضاؤها كان مملوءا حد التخمة المفرطة بالظلمة ومعه صار الليل كسوتي وردائي. ليل لم يعد ينجلي ويهبط كما كان، بل صار مكتنفا هناك معي يأبى المغادرة، لكنه جاء لا قمر معه ولا نجوم. عيوني تتنقل في الظلمة وتأخذ من خيوطها شعاعا أبصر به الأشياء. باب الزنزانة الحديدي السميك يقيده أكثر من مزلاج وتغلقه أقفال ثقيلة من الخارج. في الجزء العلوي من الباب توجد كوة صغيرة موصدة هي الأخرى دائما إلا حين يدلف منها صحن عميق أو بالأصح إنه طشت بلاستيكي صغير مخصص للأكل رسميا، وسوف أكتشف له استعمالات أخرى لم تكن لتخطر على بالي بالمرة، ولن يمكن لأحد توقعها أبدا لأنها مفاجأة عجيبة في زمن الثورة الجميل. الزمن الجميل! كما يسميه فاقدو الذاكرة، يتبعون في ذلك مرضى القلوب ومروجي الجريمة.
صرير صرصور لا يفتر كان يمزق سكون الظلام الذي يغطيني، وبسذاجة بالغة فتشت كثيرا عن هذا الصرصور المزعج بالغ الثرثرة، متحسسا في الظلام كل زوايا الزنزانة لعلي أحظى بساعة نوم بعد هذه الرحلة الشاقة الطويلة، ومن سخونة الاستقبال العنيف الذي لقيته. في النهاية لم أجد الصرصار ولكن اكتشفت أني أبله كبير كما ظهر لي خبث الجلاد؛ إذ لم يكن هناك أصلا من صرصار. لم يكن سوى صوت لا أعرف من أين كان يطلق ولا كيف. كل ما خمنته - وصحيح كان حدسي هذه المرة - أنه موكل رسميا بأن يقض مضجعي ويسلب راحتي.
إيه، إني لأبله حقا إلى حد الضحك فعلا! كيف لي أن أتحدث عن شيء اسمه الراحة في هذا الثقب الأسود. لو قلت كلف بأن يجعلني في توتر لا يسكن لأنصفته؛ لأنه قد فعل.
التقيت فيما بعد ذلك أشخاصا آخرين صادفوا أساليب أخرى تجعلهم مستيقظين دائما مفتوحي الأعين، لا تجرؤ أجفانهم أن تسدل على بواصرهم وإن لهنيهة واحدة. روى لي أحدهم أنهم كانوا يدخلون معه في الزنزانة عقربا صغيرا، ويهددونه بالويل والثبور وأنه سيرى نجوم الظهيرة إن مسه بأذى أو قتله. فسخر كل اهتمامه لتجنب الاحتكاك به. وكان يدور حوله مثل ثور في ساقية طوال الوقت في الزنزانة، إلى أن اكتشف فيما بعد حين لم تعد قيمة لاكتشافه أنه عقرب لا يلدغ، وإن فعل فإن لدغته غير ضارة ويستعمل لإرهاق المعتقلين وتدمير أعصابهم. هذا الاكتشاف المتأخر من قبلي كان مثل اكتشاف صاحبي غير ذي نفع، بل كان مضرا؛ لأنه لم يقلل من توتري، بل أعطاه زخما أشد ودفعا أقوى، لأني صرت أراهم بعين اليقين يتلاعبون بي، وأن كل الأشياء مسخرة لهم مثل سليمان، حتى الشياطين تجثوا عند قدميه وتتملقه للفتك بأعدائه، وصرت أرى ملكهم عظيما كبيرا كأنه بحر ظلمات، لست فيه سوى ورقة ذابلة أصابها البلل.
افترشت الأرض الإسمنتية بعد أن أنهكني التعب تماما والتحفت الظلام متوسدا حذاء رياضيا كنت انتعلته. جفناي عجزا عن الإغماض قلقا، وحين كانا يسهوان عن هذا القلق لوهلة أنزلق بغفوة قصيرة، سرعان ما يذبحها طنين الصرصور ويوقظها تدارك الغفلة عن القلق.
اقتحم النهار الزنزانة من فتحة الباب العلوية وهي تنفرج ليلج منها صحن يضم حساء عدس. دقائق قليلة بعيدها فتح الباب وهذه المرة سبقت فتحه أصوات قرع رهيب لسلسلة مفاتيح ضخمة، وانتصب أمامي رجل أمن (أبو أ.) بزي عسكري وسمرة لافحة من صنع شمس صحراوية خلفت على وجهه قسوة وغلظة وجفاء. أمرني - بزجر وبقليل من كلمات فاحشة - بالخروج لقضاء حاجتي وغسل طشت الطعام، حتى تلك اللحظة لم أكن قد توصلت إلى إدراك المدى الذي بلغته القسوة، ولهذا واصلت بلاهتي وسرت الهوينى كعادتي المألوفة وعادة البشر بالمشي. إلا أن هراوة متصلبة في كفوف وحشية ترعد مزمجرة هوت علي بقسوة. بهت حينها مثل تلميذ بليد حتى صرخة الوجع لم تكن منها كلها، بل منبعها الحقيقي كان الفزع من المفاجأة، وهو أكثر بكثير من الألم من قساوتها. مفاجأة لقنتني درسا جديدا في كيفية السير الحثيث في معتقلات دولتنا الثورية.
عدت إلى زنزانتي - وطني الجديد - خائبا، فلا أنا الذي غسلت الطشت ولا أنا فعلت ما كان علي فعله من قضاء حاجتي، إلا بتساؤل أحمق جديد، هل حقا أنهم يظنون هذا الوقت القصير يكفي لأداء كل هذه الوظائف؟ علي أن أعترف الآن أني كنت حتى تلك اللحظة أحمق شديد البلاهة ومثلا قياسيا في الغباوة. كنت أسأل نفسي أسئلة تثير الضحك والشفقة لسخافتها وسذاجتها. كل شيء كان معدا ليذيقوا المعتقل السياسي به الذل ويحاولوا تحطيم شخصيته، سحقها، وإشعاره بأنه لا شيء. لم يكن الحرس يفعلون ذلك لفطنة عندهم أو لأنهم يتوفرون على قدرة في ممارسة الحرب النفسية. كانوا أغبياء جدا لا مواربة في ذلك ولا شك، إنما الطريقة التي رسمت لهم لأداء أدوارهم كانت تحقق ذلك، حتى هم أنفسهم لم يكونوا يدرون ماذا يفعلون. مثلا سلسلة المفاتيح كانت تصدر أصواتا مزعجة مهما جهد حاملها في التكتم عليها، لكن صوتها عندما يقترب كان يشبه فحيح أفعى سامة تنتصب أمامك وتحملق فيك بعيون جامدة استعدادا لافتراسك، وأنت تقف أمامها تنتظر أن تبتلعك في أحشائها مشلولا من نظراتها حتى قبل أن تلدغك ويسري سمها في جسدك.
دقيقتان ليس غير، هو الحد الأقصى لقضاء الحاجة حين يسمح بخروج المعتقل لممارستها، ويقف على منحنيات الطريق المؤدي إلى المرحاض رجال أمن بعصي غليظة يضربون بها أي سجين يمر؛ زعيقهم متواصل عليه، إن ركض في الممر أو صعد السلم القصير الموصل إلى خلاء ضيق بلا باب. وحتى إن كان داخل المرحاض يقضي حاجته لا يتوقف الزعيق والسباب، مما جعلني ويجعل أي معتقل في توتر دائم وإحساس كامل بالضياع، أضحيت مثل تائه يدور ويدور ليسقط دائخا وينهض ثانية ليعاود الدوران حول عمود التلاشي، وهكذا إلى حد لانهاية له كأنه سيزيف يدفع صخرة زيوس.
والداي كانا يفخران بي دوما بأني ذكي سريع التعلم ولم أخيب ظنهم هذه المرة أيضا، فقد هضمت الدرس حتى الثمالة، وانفجرت البراغماتية والانتهازية عندي بأبشع صورها داخلي لاستثمار الفرصة الزمنية الخاطفة لاحقا. كان قراري سريعا وجريئا أيضا؛ قرار طويت معه كل ترف العالم الخارجي في كون ميتافيزيقي لا يشبه ذاك الذي كنت أسكنه قبل أسبوعين بأي وجه. عالم ولجت فيه بغتة كالموت الذي يرحل بالأرواح إلى عالم آخر لا يمت لعالم الدنيا بشيء إلا في مسألة واحدة، إن الروح سكنت فيهما معا. أبحرت سريعا في هذا العالم السريالي الجديد وصارت خطتي بعد الأكل في الوجبات اللاحقة أن أقضي حاجتي في الصحن ذاته إن كنت مضطرا لذلك، ثم أغسله منها ومن بقايا الطعام حين يطلب مني الخروج لقضاء الحاجة في تلك الدقيقتين، وبذلك أهزم جلادي وأستغفله. كانت خطة ناجحة بالفعل وكافية لأن أغسل الطشت حين فعلت ذلك فيما بعد، بل حتى إني كنت أغسله وأنا أترنم بأغنية قديمة حفظتها من أيام المراهقة. شعرت بالزهو لقراري وقلت لهم في ضميري: سأنتصر عليكم أيها الأوباش، ولن أخيب صديقي ناظم حكمت.
صفحة غير معروفة