من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٣) التراكم: تنظير الموروث قبل تمثل الوافد - تنظير الموروث - الإبداع الخالص
تصانيف
4
ليس لأن الوافد كان مجهولا فقد ازدهرت الترجمة في القرن الثاني واستمرت حتى الثالث والرابع، بل عرفه الشيعة وكان أقرب إلى الثقافة العالمية التي يستعملها حكماء البلاط. كان حكماء الشيعة يريدون تنظير الموروث مباشرة بالتفاعل مع الواقع المباشر والاتجاه إلى الناس مباشرة لتثويرهم ضد حكم الظلم والطغيان. بل إن العنوان الجامع لمجموعة من الرسائل «الحقانية» تدل على نسبتها إلى الحق أي إلى الواقع وليس إلى الوافد أو الموروث. والموروث هو القرآن أساسا ثم قصص الأنبياء وتاريخ الأديان من الكتب المقدسة السابقة كما يفعل إخوان الصفا. ولا يوجد حديث. يأتي القرآن أولا ثم الأنبياء، موسى ثم عيسى وإبراهيم ثم داود، وإلياس، ويوشع، ويونس، ويوسف، ويحيى، وزكريا، وسليمان، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب. بل يذكر أعداء الأنبياء مثل جالوت. ويذكر التوراة والإنجيل ثم الزبور، ومن آل البيت يذكر علي بن أبي طالب. وتذكر أسماء مستعارة للتخفي مثل أبي مالك، البختري، عبد الجبار، كعب الأحبار، ومن الشعوب والأقوام يذكر فارس والعرب أي الشيعة والسنة.
5
والعنوان جميل يدل على علاقة الشيخ بالمريد. يدل على الإحساس بالتاريخ، وتوعية الجيل السابق للجيل اللاحق، واستمرار الرسالة عبر الأجيال. أقرب إلى الأدب الشعبي والأسلوب العربي الرصين، فقد كتبت في عصر الجاحظ. وأحيانا يتجاوز الأسلوب إلى الرمز في علاقة الشيخ بالمريد كما هو الحال عند الصوفية وليس فقهاء السلطان، وهو الإمام والمأموم أو الله والإنسان. يعبر عن عالم مثالي للمضطهدين، العتق والحرية، الملك والمملوك.
6
وتظهر القدرة على إبداع المصطلحات مثل «الأوان» وهي الإرادة التي بها خلق الله ما أراده وأمر بما يشاء . كما تظهر ألقاب الشيعة التي تعبر عن قيادة الأئمة ومسارهم التاريخي، حبل الله هو الإمام، والأساس علي بن أبي طالب كرد فعل على إزاحته عن الحكم وتصفيته، وقد تسقط الأسماء كلية ويكتفى بالألقاب مثل: الأساس، القائم، كعب الأحبار، وأخيرا يتحول قصص الأنبياء إلى فلسفة في التاريخ: آدم، ونوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد، والقائم. كل نبي له فترة، وله ضد، وله نائب روحي. النبي وضده، جدل التاريخ، وصراع الأضداد. والنائب الروحي تفاؤل باستمرار النضال لو أخذ في الأساس. وقد تظهر أنبياء في الفترات مثل إسماعيل وإسحاق ويعقوب ويوسف ويونس وشعيب من إبراهيم إلى موسى. فلا يخلو جيل من نبي. وبعد موسى يظهر يوشع وإلياس وطالوت وداود وسليمان وزكريا ويحيى حتى عيسى. ويتعاطف الشيعة مع الأنبياء المضطهدين مثل موسى وعيسى وإبراهيم. وتبدو القراءة الشيعية لتاريخ الأنبياء مثل غيبة موسى. وتبدأ الرسالة بالبسملات وتنتهي بالحمدلات.
7 (2) السجستاني (أ)
وفي «الينابيع» للسجستاني (331ه) يغيب الوافد اليوناني كلية ويحضر الوافد الشرقي باعتباره ثقافة وطنية لحكماء الشيعة. كما يحضر الشعر العربي باعتباره ثقافة وطنية للسنة. فتظهر فرق الثنوية والمجوسية والبهافريذية في بيان أن الشر لا أصل له في الإبداع ضد ديانات الشرق في الينبوع الخامس والعشرين. فقد قالت الثنوية بالنور والظلمة. وقالت المجوس والبهافريذية بالهرمذ دون الأهرمن. واستنكفوا من جعل الشر مخلوقا فجعلوه أزليا مع الخير. ثم اختلفت مذاهب الشرق. فبينما جعل أحدهما أن صاحب الخير يهلك وصاحب الشر في نهاية الزمان، مثل قتل المسيح الدجال، وقعوا في التناقض؛ لأنه يستحيل إهلاك الأزلي.
8
كما يغيب الموروث الفلسفي؛ لأن الفلسفة كانت وما تزال في بدايتها الأولى، تعتمد على التنظير المباشر للواقع دون قراءة لتراث فلسفي سابق. ويحضر الموروث الأصلي، القرآن ثم الحديث، ولفظ قرآن، وتاريخ الأنبياء، والكتب المقدسة السابقة مثل الإنجيل.
صفحة غير معروفة