من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٢) التأليف: تمثل الوافد - تمثل الوافد قبل تنظير الموروث - تمثل الوافد بعد تنظير الموروث
تصانيف
4
غلب على الكتاب الطابع العملي العلاجي الدوائي. اكتفى ابن رشد بالكليات، وطلب منه كتابة الجزئيات. اختص ابن رشد بالحكمة، وابن زهر بالصنعة؛ لذلك أتى مختصرا عمليا، واضح الترتيب، دقيق العرض، سهل الأسلوب، تعليمي الإنشاء. وضع فيه من الذكريات والتجارب الشخصية كما يفعل الأطباء الأدباء. كما يعتمد على دراسة الحالة، كما هو الحال في الطب الغربي الحديث، إما حالة مروية من الجد والأب، أو حالة عرفها الحفيد في شبابه.
5
اعتمد منهج القياس والتجربة، العقل والطبيعة؛ لذلك حارب الخرافات والأباطيل، وكافح الدجالين والمنجمين، وحطم التقاليد، مثل ابن رشد في الفلسفة، وابن الهيثم في الرياضيات. وبالرغم من أنه جالينوسي المذهب إلا أن له شخصية مستقلة، وتميز عنه بأساليب التشخيص والمعالجة غير التي وضعها جالينوس. الطب علم نظري وعملي في آن واحد. يرتبط بالحكمة والصيدلة، ويرد العجز إلى الصدر للبحث عن الاتساق. وينبه على الخلط بين مصطلحات الطب ومصطلحات الكلام حتى لا يقع التباس بسبب الأسماء المشتركة.
ويبدو الوافد أكثر حضورا في العمق، وإن كان الموروث أكثر حضورا في الاتساع؛ فقد ذكر أربعة أعلام من اليونان، يتصدرهم جالينوس ثم أبقراط ثم أرسطو ثم بطليموس. ومن أسماء الفرق يذكر «الفيلسوف» و«المشاءون»؛
6
فجالينوس زعيم الأطباء جميعا بما فيهم ابن زهر تعبيرا عن تواضع العلماء، وتعلم المحدثين من القدماء، والتقدم بالشرف قبل أن يكون بالزمان. وهذا لا يمنع من تقدم العلم وإكمال ابن زهر بما تركه جالينوس ناقصا، ومراجعة أقوال جالينوس على العقل والتجربة، فما اتفق معهما كان علما، وما خالفهما كان في حاجة إلى مراجعة وتصحيح؛ فإذا ما تعارض النقل عن القدماء من ناحية مع العقل والتجربة من المحدثين من ناحية أخرى، فالأولوية للمحدثين على القدماء؛ لذلك كان من الضروري معرفة أنواع الأقاويل المنطقية؛ فإن الإقناع والسفسطة والتمثل والجدل لا يغني ذلك كله عن البرهان عنده وعند ابن رشد. ومن الضروري أيضا تحويل الطب النبوي النقلي إلى طب عقلي تجريبي؛ ففي العقل والتجربة يجتمع الوافد والموروث.
7
ومع ذلك يدرس ابن زهر، وجالينوس يؤكد النتائج كنوع من تحقيق المناط في فهم أقوال جالينوس، ليس من داخلها عن طريق اللغة، وكما هو الحال في استنباط العلة من الأصل عند الأصوليين، بل من خارجها بالتحقق من وجود العلة في الفرع، نتيجة دراسة الحالة.
8
صفحة غير معروفة