من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٢) التأليف: تمثل الوافد - تمثل الوافد قبل تنظير الموروث - تمثل الوافد بعد تنظير الموروث
تصانيف
وكان ما كان مما لست أذكره
فظن خيرا ولا تسأل عن الخبر
ومع ذلك ينقد ابن باجه الصوفية، وما ظنوه غاية الإنسان، ودعاءهم «جمعك اللهم ويمين الجمع»؛ لأنهم قصروا عن الصور الروحانية المحضة، وأخذوا بأشباهها؛ لذلك قال الصوفية إن السعادة القصوى قد تحصل بلا تعلم، بل بالتفرغ والتذكر الدائم. وهنا تفوق الحكمة التصوف؛ إذ يستحيل الحصول على الصور الروحانية بالرياضة والمجاهدة فحسب دون تعلم ومع غياب العقل والبرهان. التصوف مجرد خيالات وليس عقلا، خال من مقياس للصدق والكذب كما هو الحال في الحكمة المنطقية، وهم لا حقيقة، نزوع وليس عقلا. ويصبح الصوفية حكماء لو توجهوا نحو الروحانية العامة التي هي كمال النفس الناطقة.
31
ويظهر اللسان العربي والشعر العربي بعد الفلسفة والتصوف؛ فلفظ التدبير في لسان العرب يقال على معان كثيرة أحصاها أهل لسانهم، وأشهرها ترتيب الأفعال نحو غاية مقصودة. وفي بداية كل باب يبدأ ابن باجه بتحليل لغوي لمعاني الألفاظ، مثل تدبير، روح، روحاني، تتضح فيه ظاهرة التشكل الكاذب، بالتبادل مع ألفاظ للقرآن، مثل روح، نفس، أسماء لا صفات، مثل روحاني، نفساني.
32
كما يحاول البحث عن اسم عربي لوصف الحيوان، أو اختيار أقرب للاسم دون اللجوء إلى التعريب؛ فالروح يقال في لسان العرب على ما تقال عليه النفس، وهو عند المتفلسفين لفظ مشترك يراد به الحار العزيزي، آلة النفس. وعند الأطباء الأرواح ثلاث: طبيعي وحساس ومحرك. والروحاني من روح بالمعنى الثاني أي الحساس، أو الثالث بمعنى الجوهر الساكن المحرك لسواه. وهو ليس جسما، بل صورة لجسم؛ لأن كل جسم متحرك. وشكل اللفظ غير عربي، بل دخيل على لسان العرب، وعلى غير قياس النحاة؛ لأن المقيس روحي. ويستعمله المتفلسفون بمعنى الجسماني والنفساني. والهيولاني لفظ دخيل على اللسان. وكلما كان الجوهر أبعد عن الجسمانية كان أخلق به، مثل العقل الفعال والجواهر المحركة للأجسام المستديرة. وأحيانا يوجد معنى، مثل ما يتحرك إلى ما يشتهيه إلى وقت توجد له فيه الروية، ولا يوجد له اسم في لسان العرب، فيأتي بلفظ دخيل. ومع ذلك أقرب الأسماء العربية إليه هو «اليفعة». ويحلل ابن باجه المصطلح في اللسان العربي لرفع الخطأ؛ فشكل لفظ «مدرك» يدل على المحرك والمنفعل؛ لذلك كانت المحركات أشخاصا وليست كليات. كما يحاول إيجاد ألفاظ عربية للمعاني الفلسفية، مثل تسمية حال النشاط عند العرب نشاطا، وبطء حركة الضعيف كسلا؛ فإن لم يجد لفظا عربيا للمعنى فإنه يحاول إيجاد لفظ، مثل تسمية الحيوان الذي يربي أولاده المحصل الكامل، وتسمية الصور الروحانية التي لا عمل لها بأقرب الأسماء إليها، مثل الوهم والخيال، دون الأسماء المركبة، مثل «ما لا يبالى به». فالمصطلح لفظ أكثر منه عبارة شارحة. الألفاظ العربية موضوع سائد منذ نشأة المصطلح الفلسفي في عصر الترجمة ومراحل النقل حتى إبداع لفظ عربي جديد في مرحلة الإبداع.
33
ويلجأ ابن باجه إلى أشعار العرب كدليل على ما يقول، مثل نبوءات زرقاء اليمامة وتأبط شرا؛ فالشعر مصدر للفلسفة مثل التصوف. الشعر برهان الحكمة، والتجربة الشعرية تصديق للتأمل الفلسفي. وابن باجه شاعر، كما أن ابن رشد أديب. كما يستعمل الشعر العربي لإثبات المعنى الحرفي للفظ الذكر عند العرب، وأن الخلود في الذكر وليس في المال، في العمر الثاني وليس في العمر الأول، في البقاء وليس في البلى، وهو ما تدل عليه أيضا السير. وتنال هذه الأفعال بالقوة الخيالية، وليس بالحس المشترك. أما الأفعال الجسمانية فتقود إلى المذمة، ولا تنال بها الأفعال الباقية بذاتها. وبعضها يحفظ في ذاكرة الأمة باقترانها بأشياء أخرى، خاصة إذا كانت سيرة الأمة حفظ الأقاويل الموزونة، فيتداولها الناس والشعراء، كما فعل المحلبي بالأعشى الشاعر. وقد يتداول الناس الأفعال لغربتها والإعجاب بها. ما يهم هو اقتران الفعل بالانفعال حتى يرويه الناس. وفي هذا الصنف تدخل أكثر التواليف والأشعار والخطب. ولا يدخل مقصد الشاعر في العمل الفاضل، بل يدخل فقط الشوق أو الانفعال أو ما شابههما. وقد يذكر الفضلاء الأمور الغريبة والسيرة للإعجاب، لا ليذكروا به، بل من أجل كمال العمل، كما هو الحال عند كبار الأنفس ومدبري المدن. يستعملون الوعيد كما يستعملون النقائض، كالرياء وباقي الأفعال الجسمانية. ويبدو أن هناك توجها قرآنيا من آية الشعر في سورة الشعراء الشهيرة
والشعراء يتبعهم الغاوون * ألم تر أنهم في كل واد يهيمون * وأنهم يقولون ما لا يفعلون ؛ فالنص النازل يتحول إلى واقع صاعد في الشعور. يستشهد ابن باجه أيضا بالشعر العربي لوصف بكاء الديار، وللحزن على الآثار، وهو أكثر الشعر العربي لكثرة ما شاهده العرب؛ فالشعر مشاهدة، كما أن الحكمة تجربة. كما يستشهد بالشعر العربي لبيان أن الصور الروحانية التي لا يفيدها الحس ولا الطبيعة يفيدها الفكر أو العقل الفاعل قد تكون صادقة أو كاذبة، والكاذبة أكثر في بعض السير، ومنها تدخل الأماني. ويضرب المثل لمن يتلف صورته الجسمانية في طاعة صورته الروحانية في الانتحار بشعر تأبط شرا في أن الموت أفضل من العبودية، وبشعر المرواني وما فعلته الزباء مع عمرو، وملكة مصر مع أغسطس (وهو مثل أرسطو أيضا)، وما فعلته فاطمة أم الربيع وسائر بني زياد عندما لحق بها قيس بن زهير، وكما فعل حاتم الطائي عندما ذبح فرسه ولم يطعم منه وأهله شيئا.
صفحة غير معروفة