ولكن ماريان تشكر له ذلك، وتعلن إليه أنه قد يستطيع أن ينسى كل شيء ولكنها هي لا تستطيع أن تنسى، وقد تزوجته على أن تكون له وفية في السر والجهر، وفي الدقيق والجليل من أمرها، فأما وقد خانت هذه الأمانة فهي لا تستطيع أن تعود إليه، وهي لا تطلب إلا شيئا واحدا، لا تطلب إلا أن تفرغ لابنها تقف حياتها على تربيته والعناية به. لا يصدقها جيليوم، وتملكه الغيرة، فيظن أنها تريد أن تخلص منه لتستأنف الحياة مع الزوج القديم، ثم تهدأ غيرته حين يراها باكية ملتاعة، ويعلن إليها أنها ستظفر بما تريد فسيستخفي هو أو سيموت، وتستطيع أن تعود إلى زوجها الأول. يعلن إليها ذلك في صدق وإخلاص، فتجيبه هي في صدق وإخلاص أيضا أنه أخطأ قصد السبيل وأنها تريد أن تعيش عيشة الراهبات؛ لأنها فقدت بحكم الخيانة حقها في السعادة الزوجية، حقها في أن تكون امرأة، وهي تريد أن تكفر عن سيئاتها، فتستأنف حياة العذارى، وهي تقسم أنها لن تعود إلى الزوج القديم، وهي أنها تحبه، وأنها قد تعجز عن مقاومته، ولكنها تعلم أنها ستقتل نفسها قبل أن يظفر منها هذا الزوج القديم بشيء، تقسم على ذلك فيصدقها «جيليوم» ويعدها بأنها ستحيا، وستحيا لابنها دون أن تجد في ذلك ما يعرضها للانتحار الذي هو عمل غليظ جاف لا يليق بالنساء الحسان، ثم يودع بعضهما بعضا. تنصرف ويبقى وهو يسأل نفسه: لم لا يلقي بنفسه في النهر؟ وإنه لفي هذا التفكير إذ يقبل «مكس» فيلتقي العدوان، يهم مكس أن يتراجع فيقفه جيليوم معلنا إليه أنه قد فر أمامه مرتين، هنالك يدور حوار قصير، ولكنه عنيف بين هذين الرجلين، يطلب مكس إلى صاحبه أن يدعو شهوده، وأن يقتتلا كما جرت بذلك العادة، فيأبى جيليوم قائلا: إن بينك وبيني حسابا يجب أن لا يطلع أحد عليه، ثم يعرض عليه ما يأتي: وهو أنه قد رد إلى ماريان حريتها فلن تراه ولن يراها، ولكن ماريان تريد أن تعيش حرة، تريد ألا ترى زوجها القديم كما أنها لن ترى زوجها الجديد، وإذن فمكس بين اثنتين: إما أن يعطي على نفسه العهد أنه لن يرى هذه المرأة، ولن يتتبعها بإلحاحه وأثقاله، وإما أن يموت. أما مكس فيرفض ما يعرض عليه، ويعلن أنه يحب ماريان وأن ماريان تحبه، وأنه لا يستطيع أن يعرض عنها، ولن يعرض عنها، وأنه لن يقضي بينه وبين صاحبه في هذه الخصومة إلا الموت، فهو يدعو شهوده ولابد أن يقتتلا، ثم يريد أن يخرج فيمنعه جيليوم، ويكون بينهما صراع عنيف ينتهي بهما إلى النهر، فما أسرع ما تضمهما أمواجه، وما أسرع ما تلتئم هذه الأمواج كأنها لم تضم شيئا.
ولا تكاد تمضي لحظات على هذا الموت حتى نسمع صوت ماريان تدعو ابنها، وحتى تراها تدخل المسرح من ناحية، ويدخل ابنها المسرح من ناحية، وفي يده طاقات من الزهر، فتضمه إليها، وتمر به حيث مات زوجاها، وتقوده إلى القصر حيث تعده ليحتمل نصيبه مما تضمر الحياة من خير أو شر للأحياء.
شوط القبس
قصة تمثيلية للكاتب الفرنسي «بول هرفيو»
قد يكون هذا العنوان غريبا، وقد لا يخلو من بعض النفرة، بل قد يكون غامضا بعض الشيء، ولكن توضيحه يسير، وترجمته صحيحة، ومتى فهمت معناه، وقرأت القصة، أو ألممت بها فقد أحسب أنك تقره ولا تنكره.
كان للأثينيين عيد ديني يحتفلون فيه حفلة، اختلف في تأويلها الفلاسفة والشعراء، كان أعضاء المدينة يصطفون على مسافة بعيدة، ويبدأ أحدهم فيقتبس من النار المقدسة جذوة ينقلها مسرعا إلى من يليه، ثم ينقلها هذا إلى من بعده، وما تزال الجذوة تنتقل في سرعة من يد إلى يد حتى تبلغ آخر الصف. وقد فسر أفلاطون و«لوكريس» هذه الحفلة الدينية بأنها كانت رمزا لحياة الأجيال المختلفة من أبناء الإنسان، وعلى هذا التفسير اتخذ صاحب القصة عنوان قصته، فسماها شأو القبس أو نستطيع أن نقول ننقل هذا القبس في سرعة من يد إلى يد، وهو لا يريد بعنوانه ولا بقصته إلا أن يشرح هذه الفكرة التي خطرت لأفلاطون ولوكريس، ويثبتها في وضوح وجلاء، فقصته في الحقيقة فصل من فصول الفلسفة أو درس من الدروس يريد بها أن يخلبك أو يستهويك، أو يؤثر فيك هذا الثأثير المختلف الذي يخرجك من لذة إلى ألم، ومن ألم إلى لذة، ليس يريد أن يذيقك لذة الانفعال حسنا كان أم سيئا، وإنما يريد شيئا آخر، يريد أن يقنعك بقضية من القضايا، ورأي من الآراء، هو إذن لا يتحدث إلى قلبك ولا إلى عاطفتك، وإنما يتحدث إلى عقلك، ولكنه في هذا الحديث إلى عقلك لا يصطنع منطق أرسطاطاليس، ولا يتكلف ضروب القياس والاستقراء، وإنما يسلك سبيل العاطفة ليصل إلى إقناع العقل، أو هو يعدل عن المنطق النظري إلى منطق الحياة الواقعة، أو هو يكشف أمامك هذه الحياة الواقعة حتى تلتمس منطقها بيدك، وحتى تقتنع حين تلمس هذا المنطق بأن قضيته صادقة، وأن رأيه صحيح، وهذه القضية في نفسها قيمة نافعة، لو اقتنع الناس بها وأحسنوا التفكير فيها لأعفوا أنفسهم من ضروب من الآلام، وفنون من الغرور، ولكانوا بمأمن من اليأس، وخيبة الأمل في كثير من الأحيان، نعم لو آمن الناس بهذه القضية لقبلوا الحياة كما هي، لا يكبرونها أكثر مما ينبغي، ومن استطاع أن يفهم الحياة كما هي، ويقبلها كما هي فهو الفيلسوف الذي يستطيع أن يريح ويستريح حقا، ولكن الناس لن يفهموا الحياة كما هي ولن يقبلوها كما هي، وسيظلون أبدا يفهمون الحياة كما يحبون أن تكون، وسيظلون لهذا في شقاء ينتقلون من رجاء إلى يأس، ومن فشل إلى خيبة أمل. •••
بدأ الكاتب قصته كما يبدأ الخطيب خطبته، أو كما يبدأ العالم فصلا من فصول العلم، فيضع نظريته موضع البحث، ثم ينفق خطبته أو فصله العلمي في إثبات هذه النظرية، فلنسلك سبيله، ولنشرح نظريته، وهي سهلة سائغة ليس فهمها بالعسير. نظريته هي أن حياة الأجيال الإنسانية ليست إلا سلسلة من التضحية المتصلة غير المنقطعة، يضحي كل جيل من أجيال الناس بنفسه وحياته وقوته وآماله في سبيل الجيل الذي يليه، دون أن يجد من هذا الجيل شكرا، أو ينال منه جزاء، كما أنه لم يقدم إلى الجيل الذي سبقه شكرا، ولم يعوض عليه جزاء حياة الأجيال الإنسانية، إذن هي كأمر هؤلاء اللأثينيين يوم كانوا يحتفلون بعيدهم المقدس، فلا يزيد أحدهم على أن ينقل الجذوة من يده إلى يد من يليه مكتفيا بعد ذلك بأن ينظر إلى هذه الجذوة تسرع في انتقالها من يد إلى يد دون أن يستطيع شيئا أكثر من أن يصل بها عينه، مشفقا عليها أن تخمد أو تسقط بين الذين يتناقلونها. نحن إذن حملة هذه الجذوة التي هي الحياة ورثناها عن الجيل الذي سبقنا، ونورثها الجيل الذي يلينا، لا عمل لنا في الحياة إلا هذا، ولا أمل لنا في الحياة إلا هذا، نحن ننظر أمامنا أبدا دون أن ننظر وراءنا في يوم من الأيام، نحن آباء بررة، ولكننا في الوقت نفسه أبناء عاقون، نقف برنا على أبنائنا، ولا يظفر آباؤنا منا إلا بالعقوق والتقصير.
تجد هذه النظرية منك معارضة قوية؛ لأنها تخالف ما ألفت من جهة، وتخالف ما تريد من جهة أخرى، ولأنها فوق كل شيء تصدمك بإظهار ما فيك من نقص، فأنت تكره أن تكون عاقا، وتريد أن تكون وفيا برا، وأنت أثر تحب نفسك، وتريد أن يشعر ابنك بأنه مدين لك بالحياة، تخدع نفسك، فتعتقد أنك بر بأبيك وأمك، وتضلل نفسك فتريد أن يكون ابنك برا بك ووفيا لك. تجد هذه النظرية منك معارضة قوية ، ولكنها في الحق صحيحة صادقة، فمهما تعارض، ومهما تنكر فلن تستطيع أن تجحد شيئا واقعا، وهو أنك تحب ابنك أكثر مما تحب أباك، وأنك تستطيع بل تلزم نفسك - حين تشعر بالحاجة - الفناء لا في سبيل حياة ابنك، بل في سبيل لذته وراحته ليس غير.
والكاتب يأخذك بحجة أخرى لا تخلو من دعابة، ولكنها صحيحة قوية: ما بال الديانات لم تأمرك بأن تحب ابنك، وأن تعطف عليه؟ لأنها ليست في حاجة إلى هذا الأمر، فأنت تحب ابنك وتعطف عليه بحكم الطبيعة، وما بال الديانات تأمرك أن تكون برا بأبويك، وتلح عليك في هذا الأمر، وتبسط أمامك من الرجاء ما يرغبك في البر بأبويك، وتضع أمامك من النذر ما يخيفك من العقوق؟ لأنك لست برا بأبويك بحكم الطبيعة، وإنما البر بالأبوين خلق ينبغي أن تتكلفه، وتجد في تحصيله، ومهما تفعل فلن توفق منه إلى ما تريد.
الإنسانية إذن - بطبعها كما يقول الكاتب - أم برة وبنت عاقة، وهي تتكلف الخطوب، وتتجشم الأهوال لتصف نفسها بما ليس فيها من فضيلة البر.
صفحة غير معروفة