كما يقوم الوجوب السمعي على أساس النظر والفهم؛ فإنكار النظر إنكار للوجوب السمعي، والعقل أساس النقل بإجماع الأصوليين. ولا يمكن الدفاع عن الوجوب السمعي بأن الوجوب لا يتوقف على العلم بالوجوب حتى يلزم الدور ويتوقف على الإدراك وسلامة الآلات؛ لأن العلم بهذا الوجوب عقلي خالص؛ إذ لا يدرك الإنسان الوجوب إلا بالنظر أي بالعقل، كما لا يمكن الدفاع عنه على أساس أن الوجوب العقلي يعتمد على مقدمات لا يمكن الوصول إليها بالعقل؛ لأن الوجوب العقلي لا يحتاج إلى نظر سابق يعرف به وجوب النظر، وذاك إلى نظر آخر إلى ما لا نهاية؛ لأن النظر بداية أولى وحكم بديهي، وبرهان وجداني. وافتراض أن يقوم النظر على مقدمات غير نظرية هو تسليم بأن مضمون النظر سابق على النظر، ومضمون النظر عند الأشاعرة هي العقائد الدينية، فكيف تكون هي المقدمات الأولى، وهو المطلوب تأسيسها؟ ألا يكون ذلك مصادرة على المطلوب؟ هذا بالإضافة إلى أن هذه المقدمات النظرية الأولى مثل: «ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب»، مقدمات يعتمد عليها الأشاعرة أيضا في إثبات الوجوب السمعي، وإنكارها إنكار لبدايات العقول، واعتبار العقل «صفحة بيضاء» إلا من مضمون الإيمان؛ أي العقائد الدينية. إن حكم العقل من حيث المبدأ ليس حكما باطلا؛ لأن هذه هي بدايات العلم، كما أنه ليس مستحيلا لأن إمكانية العلم مرهونة بحكم العقل. ولا يهم تحديد بداية لحكم العقل في الزمان قبل البعثة أو بعدها، ولكن بعد انتهاء آخر مرحلة من مراحل الوحي وإعلان استقلال الشعور الإنساني عقلا وإرادة يتوحد فيه العقل والوحي ويصبح زمان البعثة أو بعدها بغير ذي دلالة، فحكم العقل هو حكم الوحي.
7
لا يتم الوجوب الشرعي إلا بالعقل، وذلك لأن الإنسان لن ينظر الوجوب الشرعي ما لم يعلم ذلك بالنظر؛ فالنظر هو أول الواجبات. وما دامت المعرفة واجبة شرعا وتحصل أولا بالنظر، فإن الوجوب الشرعي يكون للنظر وليس للمعرفة الواجبة شرعا، وتكون المعرفة مشروطا والنظر شارطا.
8
ولا بد من معرفة مصدر الوجوب، وكيف نشأ، بالعقل أو بالسمع، لأن الاكتفاء بالوجوب وحده بصرف النظر عن مصدره تسليم بحجة السلطة دون مبرر، وبالتالي فهو موقف تعسفي يؤدي إلى هدم الوجوب من أساسه سواء كان عقليا أم سمعيا. يقوم الوجوب على التأسيس، وإلا خدم الوجوب أوضاع التسلط والطغيان التي نشأت في القرون الأخيرة إثر الخلط بين الواجب الديني وطاعة السلطان.
9
إذن لا يمكن أن يكون النظر واجبا شرعا؛ لأن وجوب الشرع لا يتم إلا بالنظر وإلا تسلسل الأمر إلى ما لا نهاية، ومن ثم، لزم الوجوب العقلي.
وكما يكون الوجوب الشرعي بالسمع يكون بالإجماع، وكما أن الوجوب السمعي خاضع للنظر، لأن النص يحتاج إلى فهم وتفسير وذلك لا يتم إلا بالنظر مع افتراض صحته وتواتره، وهو ما لا يثبت أيضا إلا بالنظر؛ فإن الإجماع لا يتم إلا فيما لا نص فيه. وما دام النظر قد وجب بالسمع أي بالنص؛ فدور الإجماع هنا زائد لا لزوم له. وما دام النظر كطريق للمعرفة قد علم بالعقل، فتركيب قياس يدخل فيه النص والإجماع تركيب زائد؛ لأن معرفة النظر كطريق للعلم بالعقل تجعل النظر واجبا بالعقل. هذا فضلا عن أن الإجماع ليس حجة عقلية، بل هو مجرد حجة تعتمد على السلطة، سلطة الجماعة، وأن الإجماع غالبا ما يكون له معارض من داخل الجماعة، ويتغير من عصر إلى عصر، ومن جيل إلى جيل إلى آخر ما هو معروف من نقد لحجية الإجماع في علم أصول الفقه وعند أصحاب المعارف الضرورية في علم أصول الدين. لا يوجد إجماع مطلق، بل إجماع منقوض، بل ويوجد إجماع مضاد. هذا بالإضافة إلى خضوع الإجماع لمناهج النقل والرواية، إما استحالة نظرا لانتشار المجتهدين في كل مكان، أو احتمالا للخطأ، وهو وارد في النقل.
10
وأحيانا يكون الوجوب الشرعي بالنص والإجماع معا. وفي هذه الحالة يظل النص ظنيا ولا يتحول إلى يقين إلا بالإجماع. الدليل السمعي ظني لأن الحجج النقلية حتى لو تكاثرت وتضافرت فإنها تظل ظنية ولا تتحول إلى يقين إلا بالحجج العقلية ولو واحدة.
صفحة غير معروفة