وتتفصل حجج نفي التوليد على النحو الآتي: (1)
الاستطاعة عرض، والعرض لا يبقى زمانين. وهي حجة خاطئة؛ لأن الاستطاعة ليست عرضا بل هي من مقومات الجوهر. والإنسان غير القادر لا يكون إنسانا بل جمادا. ووجود مضادات للقدرة لا يعدم القدرة. القدرة لها شروط وموانع. وإذا عدمت لوجود الضد فإن الضد يعدم لوجودها. وإن عدمت لانتفاء شرط لها فإن الشرط عرض مثل القدرة. وإن كان جوهرا فكيف يبقى العرض مع انتفاء الجوهر؟ ولا يقال إن القدرة عدم محض؛ لأن العدم نفي، والنفي عدم وجود على الإطلاق. هذا كله نسيان أن القدرة الباقية هي الأثر، أي هي البناء الجديد الحادث من القدرة الأولى. فالبحث عن القدرة كعرض أو كجوهر أو كفعل عدم معرفة بطبيعة القدرة الباقية التي هي انفعال وليست فعلا. أما التولد الطبيعي، فإنه يدرس في علم الطبيعة، خاصة علم الآليات (الميكانيكا) فيما يتعلق بالجذب والطرد والقوة والمقاومة والفعل ورد الفعل. يظل السهم متحركا أو الحجر جاريا إلى أن تخف الحركة بالمقاومة أو بالاصطدام. وكذلك فعل الإنسان القائم على القصد والدواعي يظل أثره قائما إلى أن يضعف بقدم العهد أو بوجود أثر مضاد.
9 (2)
الأفعال في المستقبل كلها ممكنات، والممكنات واقعة تحت قدرة أخرى أعظم من قدرة الإنسان، وهي قدرة المؤله المشخص. والحقيقة أن ذلك هو المطلوب إثباته؛ وبالتالي تقوم الحجة على الدوران. كما أن الممكن لا يستند إلى شيء آخر غير الفعل الإنساني، وأن تحوله إلى فعل مرتبط بالقصد والباعث والغاية. الممكن إمكانية خالصة غير محددة، طاقة مخزونة في النفس لا تتحقق إلا بفاعليتها الداخلية وإمكانيات تحققاتها الخارجية.
10 (3)
إن اعتبار مقدور لقادرين لا يبطل التولد بل يثبت الغلبة. إن كان هناك شيء تجذبه قدرة وتدفعه قدرة أخرى، فإن حركة الشيء تتحدد بالقدرة الغالبة المؤثرة في الشيء المتحرك. وإن لم يتحرك الشيء تعادلت القدرتان وامحى الأثر على الشيء. كما أن ذلك افتراض مسبق وليس حجة بديهية. فالمقدور مقدور لقادر واحد بالإضافة إلى الموانع، ما دام الفعل لا يكون فعلا إلا في موقف.
11 (4)
إن القول بأن التولد نتيجة لمجرى العادات لا ينفي التولد، بل يثبته ثم يفسره تفسيرا طبيعيا. وهذا ما يرفضه الكسب الذي يجعل مجرى العادات أيضا من خلق قدرة خارجية. ولا يمكن نفي مجرى العادات لأنه يثبت بالحس والمشاهدة والتجربة. ولا يمكن أن يكون من فعل إرادة خارجية وإلا لما كان مجرى العادات. فالعادة والإرادة نقيضان. العادة إرادة الطبيعة الكامنة فيها، وليست إرادة مشخصة خارجة عنها، معها أو ضدها.
12 (5)
وإذا كانت القدرة لا تبقى لا لنفسها ولا لبقاء يقوم بها، فإنها تبقى على الأقل في الأثر الذي يتركه الفعل وفي السنة التي يتركها الإنسان وراءه بعد الاخترام. تقوم الحجة على فكر ديني إلهي مقلوب وهو الاختلاف بين الذات والغير. بل إن قسمة الأشياء إلى جوهر وعرض فكر ديني إلهي مقلوب. الأشياء أشياء دون قسمة فيها إلى أولي وثانوي.
صفحة غير معروفة