مفتاح السعادة
قلت: وقد مر ما فيه من النظر، على أنا لا نسلم خلو تلك المطالبة بالدين وترك المعاقبة للعاصي من فعل لأن قصد الإحسان معتبر في حد النعمة وهو فعل وغايته أنه لا يشترط في النعمة نفسها أن تكون فعلا لكن مصاحبة الفعل المذكور لها كاف، هذا مع أن النعمة في الحقيقة هي الإحسان سواء كان إحسانا بفعل أو ترك بدليل أن الشكر ليس إلا على الإحسان وهو عرفانه ونشره والإحسان فعل.
نعم أما من يقول إن الترك فعل فلا إشكال.
تنبيه [في ذكر نعم الله]
قد ثبت أن نعم الله لا تحصى، والقول الجامع فيها أن الله تعالى لم يخلق خلقا إلا وفيه نعمة، قال الإمام أحمد بن سليمان عليه السلام : اعلم أنه لا يوجد شيء من خلق الله إلا وفيه نعمة لبعض خلق الله تفضل الله بها عليه، وكذلك لا يفطر العبد على فطرة إلا وفيها له نعمة من الله، ولا يؤمر بأمر إلا وله فيه نعمة، ولا ينهى عن فعل شيء إلا وفي تركه له نعمة معجلة أو مؤجلة.
وفي شرح الأصول أن المنافع التي خلقها الله للحي ليعرضه لها ثلاثة: التفضل وهو النفع الذي لفاعله أن يوصله إلى الغير وأن لا يوصله، والعوض وهو النفع المستحق لا على سبيل التعظيم والإجلال، والثواب وهو النفع المستحق على سبيل التعظيم والإجلال، ولك أن تورد هذه القسمة على وجه يتردد بين النفع والإثبات ويتضمن معاني هذه الألفاظ فتقول: إن المنافع الواصلة إلى الغير إما أن تكون متسحقة أو لا، فإن لم تكن مستحقة فهو التفضل، وإن كانت مستحقة فلا تخلو: إما أن تكون مستحقة على سبيل التعظيم والإجلال أو لا، الأول الثواب، والثاني: العوض، ثم قال ما لفظه: أما التفضل فما من حي خلقه الله تعالى إلا وقد تفضل عليه وأحسن إليه بضروب من المنافع، والإحسان والعوض يوصله الله تعالى إلى المكلف وغير المكلف، وأما الثواب فمما لا حظ لغير المكلف فيه، والمكلف مختص باستحقاقه.
وأما الرازي فقسم النعم إلى ثلاثة أقسام:
صفحة ٨٠٥