مفتاح السعادة
قيل: إن ذلك وإن صار الآن شرعيا فإن أهل اللغة كانوا يستخدمون السودان ويتملكونهم ويذمون العبد عند المخالفة، وكذلك الولد، وهذا أمر لغوي، فإن قيل: ذم أهل اللغة لا يقضي بالوجوب إذ لا حكمة فيهم ولا عصمة فقد يذم أحدهم غيره على ترك القبيح كما يفعلون عند كف أحدهم عن مصاولة الأقران، وإن كان ذلك قبيحا، وغير ذلك من أفعالهم، قيل: إنا لم نصوبهم في اعتقادهم الوجوب، ولا نقول أن ما قالوا بوجوبه فهو واجب في نفس الأمر، وإنما استدللنا بأنهم وضعوا صيغة (إفعل) للوجوب واعتادوا ذلك، فإذا خاطبنا الله بلغتهم كان قد وضع هذه الصيغة للوجوب، وهو تعالى عدل حكيم لا يوجب إلا ماله وجه وجوب يخصه.
والحاصل أن استدلالنا بوصفهم لا باعتقادهم، فإن قيل: المعصية في اللغة: هي المخالفة والعدول عن الرأي لا ما يقتضي الذم والعقاب، وإذا كان كذلك فالوصف بالعصيان لا يدل على الوجوب كالمخالفة، قيل: ومن أين لكم أن المخالفة لا تقتضي الذم والعقاب، وقد قدمنا في كتابنا هذا أن العقلاء كافة يستحسنون ذم عبد لم يمتثل أمر سيده وعقابه، وهذا واضح.
الوجه الثاني: إن قول القائل (إفعل) يقتضي إيقاع الفعل وليس لجواز تركه لفظ، فيجب المنع من تركه، وإذا لم يجز تركه فقد وجب.
الوجه الثالث: أن الحمل على الوجوب أحوط لأنه إذا كان واجبا فقد أمنا الضرر بفعلنا له، وإذا كان مندوبا أو مباحا لم يضرنا فعله، ولقائل أن يقول: إن الدليل اللغوي إذا أول على وضعه للندب فلا أحوطية في الحمل على الوجوب لأنه قد أمن الضرر، ثم إن القول بالأحوطية يؤدي إلى محذور أعظم وهو الإقدام على ما لا يؤمن قبحه من اعتقاد وجوب ما ليس بواجب، اللهم إلا أن تحمل الأحوطية على الفعل دون الاعتقاد.
صفحة ٧٨٢