مفتاح السعادة
المسألة الرابعة [ضرورة الاخلاص في العبادة]
في الآية دليل واضح على أنه يجب في العبادة أن تؤدى لله خالصة لما قدمناه من معنى الاختصاص، فيؤخذ من ذلك أن من نوى بعبادته الرياء والسمعة لم تجزه ولزمته التوبة والأدلة طافحة بذلك، فأما لو نوى بها استحقاق الثواب والسلامة من العقاب، فقال أهل المذهب: إن لم ينوها لوجوبها لم تجزه.
وقال (المنصور بالله) عليه السلام : تجزيه، وقال الإمام المهدي عليه السلام : إن فعلها امتثالا لأمر الله ليستحق ثوابه وينجو من عقابه فلا إشكال أنها تجزيه، فإن لم يخطر بباله الامتثال وهو يعلم أنه لا ثواب له إلا بالامتثال ولا عقاب إلا بالعصيان أجزأته أيضا.
وفي (شرح النهج) عن بعض المتكلمين: أنه ينبغي أن يفعل الإنسان الواجب لوجه وجوبه، ويترك القبيح لوجه قبحه، وربما قالوا يفعل الواجب؛ لأنه واجب ويترك القبيح؛ لأنه قبيح، وظاهر قولهم: إنه ينبغي... إلخ أن ذلك لا يجب، لكن في العلم الشامخ عن المعتزلة: أن العبادة لا تصلح لطلب النفع ولا لدفع الضرر فلا تصح رجاء للجنة ولا خوفا من النار.
وقال (ابن أبي الحديد): العبادة لرجاء الثواب تجارة ومعاوضة، ولخوف العقاب بمنزلة من يستخذي لسلطان قاهر يخاف سطوته وتلك ليست عبادة نافعة، وهي كمن يعتذر إلى إنسان خوف أذاه ونقمته، لا لأن ما يعتذر منه قبيح لا ينبغي فعله، فأما العبادة لله شكرا لأنعمه فهي عبادة نافعة؛ لأن العبادة شكر مخصوص، فإذا أوقعها على هذا الوجه فقد أوقعها الموقع الذي وضعت عليه.
قلت: الذي يدل عليه ما في القرآن من الترغيب في العمل الصالح بالثواب والزجر عن المعاصي بالتوعد بالعقاب أنه يجزئ فعل العبادة امتثالا للآمر مع طلب الثواب والسلامة من العقاب، وإلا لم يكن لذلك الترغيب والترهيب فائدة، إلا أن هذه العبادة ليست كالعبادة المفعولة لمجرد الشكر والامتثال، وقد جعل بعض العلماء العبادة على ثلاث درجات:
صفحة ٧٤٧