مفتاح السعادة
البحث الخامس: فيما يجري على الله تعالى من الاسماء بمعنى
كونه موجودا وما يتبعه
الأول: القديم: لا خلاف بين المسلمين في أنه يجوز أن يوصف الباري تعالى بأنه قديم، وإنما وقع الخلاف في أنه هل يصح وصف غيره تعالى بذلك أم لا؟ فقال أئمتنا" وروي عن أبي هاشم: لا يختص به الباري تعالى، بل يوصف به كل ما تقدم على غيره إذ معنى القديم في اللغة المتقدم على غيره في الوجود كما يقال: بناء قديم ورسم قديم، ومنه قوله تعالى: {كالعرجون القديم }[يس:39].
وقال أبو علي: بل يختص بالباري تعالى فلا يوصف به غيره؛ لأن القديم هو الموجود في الأزل وليس غيره تعالى كذلك، وظاهر كلام الموفق بالله عليه السلام أن هذا محكي عن أبي هاشم.
قال أبو علي: والآية ونحوها من قبيل التوسع والمجاز لا من قبيل الحقيقة، وأجيب بأنه مخالف لما ثبت بين المسلمين من التخاطب بلا قرينة.
قالوا: لو كان حقيقيا في بناء قديم ونحوه مقصودا به المبالغة في تقدم وجوده لجاز أن يقال: بأنه قديم محدث؛ لأن مبالغته في تقدم وجوده لا يمنع من كونه محدثا، وأجيب بالتزام ذلك لأن ما يقصد بالقديم إذا كان بمعنى المبالغة لا يمنع من كونه محدثا، وإنما يمنع منه إذا كان بمعنى أنه لا ابتداء لوجوده، قالوا: لو كان بمعنى المبالغة للزم التزايد في صفة الوجود؛ لأن تقادم أحد الموجودين في الوجود جائز، وقد ثبت أن التزايد في صفة الوجود لا يجوز.
والجواب: أما من لا يجعل الوجود أمرا زائدا على الذات فلا يرد عليه هذا إذ لم يثبت صفة فيلزم تزايدها، وأما من يجعله زائدا فقد أجابوا بأنه لا يفيد التزايد في صفة الوجود، بل التزايد في مرور الأوقات عليه وصفة الوجود واحدة.
قالوا: يقال هذا أقدم من هذا، كما يقال: أعلم، فلو كان حقيقة لدل على تزايد صفة الوجود كالعلم، ويجاب بأنه لا يدل إلا على تزايد مرور الأوقات كما مر.
صفحة ٣٢٢