مذكرات شاهد للقرن
محقق
(إشراف ندوة مالك بن نبي)
الناشر
دار الفكر
رقم الإصدار
الثانية
سنة النشر
١٤٠٤هـ - ١٩٨٤م
مكان النشر
دمشق - سورية
تصانيف
كانت له شخصية حالمة على طريقة (ديستوفسكي)، فعندما ينتهي (بوعربيط) من خدمة زبونه داخل المقهى أو خارجه، ويضرم النار ويغسل ويرتب فناجين القهوة، فإنه كان يقف بجانب الوجاق ساهمًا لا يتكلم، إنه يحلم.
كان زبائنه من الطلبة فئتين: رواد الصالة الرئيسية، وزبائن الصالة الخلفية؛ فأصحاب الطبقة الأولى هم أولئك الذين عرفوا بالرزانة يهتمون بالحديث والمناقشة، قلقون منعزلون أو رومانطيقيون من قراء الشعر قديمه وحديثه، هؤلاء يمثلون الصالون الأدبي للمقهى.
أما الصالة الخلفية فكان يجتمع فيها لاعبو الدومينو مثيرو الضجيج والصراخ والرياضيون. ففي تلك الفترة كان الناس في الوسط الجزائري يتحدثون عن الرياضة ويهتمون بتكوين الفرق والنوادي الرياضية. كانت هذه الجهة تمثل وجه المقهى العربي.
لقد ذهبنا إلى هذا المقهى أنا وفضلي وقاواو لنتابع الحديث. ولم يكن الحديث إلا ليزيدنا معرفة بعضنا ببعض. وكانت كل كلمة تسهم في تكوين ذلك الثلاثي الذي تشكل خلال تلك السنة.
كانت ساعة المقهى تذكرنا بنظام المدرسة. فإنه ينبغي الرجوع قبل العاشرة كما قال الشاوش. عند رجوعنا كان رفيقنا الرابع نائمًا، وهناك تابعنا حديثنا حتى الحادية عشرة موعد إطفاء النور.
وكان ذلك يعد أول صعوبة تعترض الطالب عند دخوله (المدرسة)، إذ لكي يتمكن من الدراسة أو التحدث مع رفاقه أو قراءة القصص كان عليه أن يحصل على وسيلة للإنارة خاصة به.
***
1 / 62