440

قال السيد الهادي - رحمه الله - في كتاب (كاشفة الغمة): إن القاضي جعفر كان من أعظم أعضاد الإمام أحمد بن سليمان وأنصاره، قال: وطال ما ذكرهما الإمام المنصور بالله - عليه السلام - واحتج بكلامهما فيقول: قال: الإمام والعالم(1)، أفتى بذلك الإمام والعالم، وقد قيل: على أهل اليمن نعمتان في الإسلام والإرشاد إلى مذهب الأئمة - عليهم السلام -:(2) الأولى الهادي، والثانية القاضي جعفر - رحمه الله تعالى - وكان ابتداء وقفته للإمام - عليه السلام - بذمار وقت مخرجه إلى زبيد فاعتذر إليه من(3) أمور كانت منه مع المطرفية فيما سبق، ولما وصل العراق تبين له أنه على غير شيء، فعذره الإمام - عليه السلام - وجعله في حل، وقال له: هل علمت يا قاضي أحدا ممن لقيته بالعراق يقول شيئا مما تقوله المطرفية، وتعتقده أو يعمل به، أو وجدث ذلك في كتاب(4)؟ قال: لا، قال: فإنه يجب عليك أن تردهم عن جهلهم، وتنكر بدعهم، فإن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - يقول: ((إذا ظهرت البدع من بعدي فليظهر العالم علمه، فإن لم يفعل فعليه لعنة الله))، فقال له القاضي: قد عرفت ما تقول، ولكن القوم كثير، وقد صاروا ملأ يمننا هذا، ولو أنكرت عليهم لرموني عن قوس واحدة، وأنت يا مولانا تقرب وتبعد(5)، وإني أخافهم، ولا طاقة لي بهم، فوقع كلام الإمام في أذن القاضي، وهو ممن علم وعمل فتقدم، وأظهر كتبه التي وصل بها من العراق، وتعرض للتدريس والتعليم في (سناع)، فلما تسامع به الناس وصلوا إليه من بعيد وقريب فعند ذلك وقع مع أهل (وقش) من الغم مالا مزيد عليه لوجهين: أما أحدهما فغاروا منه، وعلموا أنه يستميل الناس عنهم، ويأخذ ما يعتادونه منهم، والثاني: أنه يبين للناس ما يكتمونه من مساوئهم وقبح اعتقادهم، فانصرفوا، وعملوا الملاقي، وكتبوا إلى جميع أصحابهم، وتكلموا على القاضي بما ليس فيه، وهجوه، وقالوا للناس: هو باطني ابن باطني.

فقال: هلموا إلى المناظرة، فأظهر(1) ما فيكم وأظهروا ما في بين يدي حاكم، فقالوا: ومن الحاكم؟ قال: إمام الزمان، فأبوا ذلك.

فقال: هلموا نتناقش عند العامة، [و]ضرب لهم مثلا فقال: مثلي ومثلكم مثل رجال عشرة، صحبهم رجل أجنبي حتى دخلوا منزل رجل، فأضافهم ذلك الرجل، وأكرمهم، وتركهم في منزله آمنا لهم، فوجدوا له صندوقا فيه ألف دينار، فقام العشرة، وكسروا قفل الصندوق، واستخرجوا الألف، فأخذ كل واحد منهم مائة، وصرها في ثيابه، وذلك الأجنبي ينظرهم، فلما جاء صاحب البيت نظر الصندوق قد كسر، وأخذ(2) منه المال، فقال لهم: إنكم قد أخذتم من الصندوق ألف دينار وقد أمنتكم /269/، فقال العشرة: أما ترضانا شهودا لك أن هذا الرجل الأجنبي أخذها ونحن ننظر، فقال الرجل الأجنبي: أما أنا فلم آخذ شيئا، ولا(3) أقول إنهم الآخذون، ولكن فتشنا فما قام أحد منا بعده، ففتشه فلم يجد معه شيئا وفتشهم، فوجد مع كل واحد منهم مائة. ضرب(4) لهم القاضي هذا المثل فلم يستمعوا، ولجوا في جهلهم وطغيانهم، ونزل إليهم إلى وقش، وأمر لكتب الأئمة التي هي معهم في وقش، وقال لهم: تدبروا(5) ما في هذه الكتب ليعرف الذي خالفها منا ومنكم(6).

صفحة ٤٨٩