354

عليه أسنا سلام الله ما حمدت ... فيه الصفات وما مزن السحاب همى وذكرت بعد هذا النظم شيئا يسيرا من النثر، وكان بينه وبين مولانا العلامة محمد بن أمير المؤمنين(1) المذكور أنس لا يقاس به غيره، وكان خريجه تهذب بكثير من طباعه؛ لأنه لما وجهه والده أمير المؤمنين إلى (البيضاء) بجنود وافرة إلى ناحية البيضاء أصحبه هذا السيد الجليل، وكان له بمنزلة الأب الذي يرأب، واتفق رأيهما، وتطابقت مقاصدهما، وحمد /217/ أثرهما، وممن صحب المولى العزي في هذا السفر القاضي العلامة الزاهد المحقق محمد بن علي بن صالح العنسي - أسعده الله -(2)، وتخرج عليه(3) أيضا المولى العزي، فهو أستاذه في المعقول والمنقول، وهذا السيد الجليل من سلاطين الإسلام، ومن حسنات الأيام، لم أر أحرص منه على دينه، ولا أوقف منه عند الشبهة، ولا جرم أنها شنشنة من أخزم، وكان اقترانه بهذين الفاضلين أتم وأحزم، فهكذا القرناء الصالحون والله حسبنا وكفى. وتوالى موته - رحمه الله - وموت القاضي العلامة حواري أمير المؤمنين إبراهيم بن الحسن العيزري، وكان صديقا للسيد والقاضي العلامة الحسن بن أحمد الحيمي - رضي الله عنهم - والسيد الأديب أحمد بن الحسن بن حميد الدين السابق ذكره، وكان هؤلاء أعيان الوقت، ولي بهم الجميع - رحمهم الله - الأنس الكبير والألفة، فاقتضت الحال كتابة هذه الأبيات، وذكر تواليهم - رحمهم الله تعالى -:

نوا(4) زال غابت عندهن الطوالع ... فهاهي سود أوجها والمطالع

وها كل مجد قد وهى منه طوده ... وغاض من الشرع الشريف مشارع

وكل فؤاد للغضى فيه منزل ... وكل المآقي للعقيق مواضع

ففي كل قلب نار حزن تذيبه ... فذا كل قلب في العيون مدامع

فكيف سلوي بعد فقد أحبتي ... وقد حال صخر دونهم ويرامع(5)

وصاروا بعيدا والمزار مشاهد ... نيام لهم بين التراب مضاجع أناجيهم والقلب قد عبثت به ... سيوف هموم كلهن قواطع

صفحة ٣٩٥