339

وحكي عنه - رحمه الله - أنه كان واسع الجاه مقبول الشفاعة، وكان بصنعاء من ضعفاء المسلمين ومساكينهم خلق كثير، ومن الأشراف أرامل وأيتام، فكان يتكسب عليهم، وكان له إخوان باليمن يرون له حقا عليهم، فكان يزورهم ويلتمس للضعفاء المذكورين شيئا منهم، فخرج في بعض السنين إلى إخوانه باليمن فاستماحهم للمساكين، ففعلوا وعاد بأكسية وأمتعة ونقد، ورجع إلى صنعاء، فلما وصل إلى طرف الحمراء وهو الجبل الذي يتصل بجبل نقم المطل على صنعاء مما يلي علب من أرض (الأبناء)(1) فخرج عليه لصوص، فأخذوا ما معه، فلما حازوه قال: يا وجوه العرب هل لكم في رأي من المروة والكرم، قالوا: وما هو؟ فقال: قد صرت كما ترون في أيديكم، وما أحد يتوهم أنكم تتركوني إلا تكرما منكم علي، وأنا قد جئت من بعد أهوي بهذه العروض لمساكين خلفي أعينهم ممدودة إليه، فهل لكم في رأي تحوزون به شرف الذكر والشكر مني ما بقيت، وذلك أن تجعلوني بمثابة واحد منكم أحوز سهما أعود به على من خلفي، فيثيبكم الله، وتأخذون هذا حلالا، فرقوا لكلامه، وقسموا له نصف المتاع، وكانوا قد تركوا ثيابه لم يسلبوها عنه تكرما منهم واستحياء لجلاله وهيبته، وكان تحت ثيابه وعاء دنانير، فأخرج /207/ إليهم الدنانير [بعد أن قسموا له النصف] (2) وقال: قد بقي نصيبكم من هذه الدنانير، فأعجبهم ذلك، ثم بايعهم بنصيبه من الدنانير في نصيبهم من العروض والثياب التي هي أنفع للمساكين، فبقي عليه من ثمنها ثلاثون دينارا، فقال : لو تبعني أحدكم لهذه البقية لم ير إلا خيرا، فقد لزمني لكم ذمام الصحبة والمعرفة، فقال أحدهم: هذا شيخ لا يأتي منه إلا خير، فسار معه حتى دخل صنعاء فتلقى الشيخ أبا الحسين أصحابه وسلموا عليه، ثم استلف تلك الدنانير ثم عمد إلى كبش فأمر بذبحه، فذبح وطبخ وأرسل بطعام، وذلك اللحم والدنانير مع ذلك الرجل، وقال: هذا الطعام لأصحابك لأني أظن عهدهم بالطعام بعيد، فلما وصل ذلك الرجل إلى أصحابه رقت قلوبهم، وخشعت، وأناب منهم من أناب، وصار أولئك من أصحاب الطبري - رحمه الله - ومع هذا الحلم الكثير وامتلائه من الحكمة كان يتطلبها من صغير وكبير.

روي أنه خرج يوما من منزله بصنعاء ومعه بعض أصحابه، فرأى الطبري بعض السكارى أمامهما فقال لصاحبه: أسرع بنا فلعلنا ندرك من هذا فائدة وحكمة، فالتفت إليه صاحبه متعجبا من قوله ذلك، فقال: وما يستفاد من مثل هذا؟ قال(1): يتسمع، فلما أدركا السكران قال له الطبري: يا غلام، احذر تسقط، فالتفت إليه وقال: احذر أنت أن تسقط، فأما أنا فإذا سقطت سقطت من طولي، وأنت إذا سقطت سقطت من بنات نعش، فالتفت الطبري إلى صاحبه وقال: سمعت ما هاهنا، فأخذها موعظة في نفسه وانصرف.

ومما حكي عن الطبري - رحمه الله - من سعة الصدر والتأدب بقوله(2): ?واصبر على ما أصابك? (لقمان:17) ما روته أعيان الزيدية أنه استدعي - رحمه الله - بصنعاء المحروسة إلى مناظرة قاضيها، ولعله من آل النقوي، وأحسبه عبد الله بن كليب أو ولده سلمة، ولما حصره في المسألة، وذلك بمشهد من أهل صنعاء واجتماع(3) العامة والخاصة خرج وضاق صدره، فبزق في وجه أبي الحسين فضحك إليه، ومسح البزاق(4)، فلما رأى سعة صدره وقوة قلبه مع جرحه هو وإساءته إليه بكى فيما يقال.

صفحة ٣٧٦