مطالع التمام ونصائح الأنام ومنجاة الخواص والعوام في رد إباحة إغرام ذوي الجنايات والإجرام زيادة على ما شرع الله من الحدود والأحكام
تصانيف
فإذا علمت مدرك الامام، وما قصد إليه بالذات، فكيف يسوغ الإعراض عن المقصود بالذات، وشد اليد على ما حصل بالعرض، يتخرج لامامك منه ما نص على خلافه، ودلت القواطع الشرعية على نفيه، وانت تعلم أن إتلاف المغشوش على ربه إنما كان لإذهاب مفسدة الغش؟. فليس لك أن تنقض مبنى حكمه وأساس مدركه، وإنما لك النظر في استقامة بنائه أو اعوجاجه، فترده إلى أصله، وأنت بين أمرين: إن كنت مجتهدا في المذهب، فليس لك هدم أصل امامك، أو كنت مجتهدا مطلقا، فليس لك هدم أصل نبيك محمد صلى الله عليه وسلم من العصمة المحققة للمال بالإسلام. لا يغرنك ما وقع في لفظ من ذكر الأدب في ذلك، فقد تقدم تأويله بما فيه الشفاء.
ونزيدك بيانا، وهو أن الشارع متى ما قصد إلى تحصيل مصلحة بقاعدة، أسسها عما في طريقها مما ليس مقصودا، بل أفضى إليه الأمر على غير عمد. ألا ترى أن من حد الحد الواجب عليه، وعزر التعزير اللائق به من غير تعد، وأفضى الأمر زهوق نفسه لا يودي. وكذلك أن أدى صرف الفساد وصور الغش إلى إتلاف المغشوش من المال لانعتبره. فالتحقيق صرف هذه التصرفات عن العقوبة بالمال جملة، ولايحتاج حينئذ إلى ذكر نسخ، ولا إلى تخريج وتصحيح لما خالف الأصول. وقد أشار إمام الحرمين في البرهان وأشار غيره إلى أن ما أوهم شيئا من ذلك انبغى رده إلى أصل معلوم، لا احداث أصل به يخالف ما حقق وحصل من القواعد.
قالوا: وانما ذلك لو أنه اتفق أن جنى إنسان جناية غير مالية فأخذ عمر أو غيره ماله، وتأولوا ما ورد عن عمر وغيره مما أوهم ذلك، كمشاطرته العمال، بما أوقفناك عليه عند ذكر المملي لذلك، والله المستعان.
فإن قلت: فهذا ابن بشير خرج العقوبة بالمال على الكفارات، إذ قال: والصدقة بالمغشوش عقوبة بالمال، فما قولك فيه؟.
صفحة ٢٥٠