مطالع التمام ونصائح الأنام ومنجاة الخواص والعوام في رد إباحة إغرام ذوي الجنايات والإجرام زيادة على ما شرع الله من الحدود والأحكام
بسم الله الرحمن الرحيم ... ... وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد
صفحة ٨٢
وعلى آله وصحبه وسلم تسليما قال قاضي المحلة، ومفتي الحضرة التونسية، أبو العباس أحمد الشماع رحمه الله: الحمد لله الذي أقام لدينه العلماء المهتدين، والخلفاء الراشدين، في كل عصر حفظه، وجعل الشياطين على السنة الجهلاء والحائرين في كل دهر لفظه(¬1)، ليبلو بعض العباد ببعض، فيميز من أضاع دينه ممن حفظه.
صفحة ٨٣
وصلى الله على سيدنا محمد النبي الآتي ابلغ بيان وأكمل عظه. ورضي الله عن أصحابه الذين جاهدوا في الله باليد واللسان أشد الجهاد أغلطه، فنبهوا الغافل، وعلموا الجاهل، وردعوا الظالم، وبعثوا النائم عن غمرات الموت إلى اليقظة، وعن التابعين لهم بإحسان، الناصحين لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم ولائمة المسلمين وعامة أهل الإيمان، الذين أخبر عنهم الصادق الامين صلى الله عليه وسلم أنهم "لايزالون على الحق ظاهرين إلى أن يأتي أمر الله"(¬2)، ولو اجتمع عليه الثقلان، الآتين من الحجة والبيان، والمدافعين بالسيف والسنان، أشد ذلك على الشيطان وأغيظه.
سبب تأليف الكتاب
وبعد:
فلما كان بيان ما التبس من الدين، والذب عن شرائع المرسلين، وحفظ عقائد المسلمين، مما أخذ الله فيه على العلماء الميثاق، وشدد فيه من العبد الوثائق، وذمهم أبلغ الذم على ترك البيان، ووبخهم غاية التوبيخ على نبذ الكتاب وراء الظهر، وبيعه بالقليل من الاثمان، وتوعد على السكوت والكتمان بتسعير النيران، وعلى ترك النصيحة بحرمان الجنان، والبعد عن جوار الرحمان. وكان في بعض هذا أبلغ رادع عن السكوت، وأتم قامع عن التغافل والخفوت. ووقع في بعض ما علم تحريمه بضرورة الدين، واستوى فيه علم اليقين وعين اليقين، تلبيس من كبير في الزمان، حيث أطلق فيه العنان، وكانت أكثر الطباع مجبولة على التقليد لفقدانه النظر السديد، وتعرفه الحق بالرجال، لا يميز الجائز والمحال، وكتب فيه من الهذيان والوسواس ما جاز بهرجه على كثير من الناس. وكان مما يجب على الانام، اعتقاد ما اشتمل عليه الكتاب والسنة من الاحكام. فمن استحل شيئا مما حرمه الله، عالما به، فخارج بإجماع عن الدين والإسلام، ولم يشترط العلم به، بل قال في باطل أنه حق وواجب أو لازم، وأنه كان في بعض العلماء الاعلام.
صفحة ٨٤
ولما وجب تغيير هذا المنكر الفضيع، ورد هذا المنكر الشنيع، وكلت الكلام فيه مرة لأهل الباس في الدين والشدة، واستنجدت في ذلك من استنجدني ممن اعتقد أن لديه الحمية الإيمانية بأوفر نصيب، وقلت لعل الله يكفي بما شاء، فلم أر من تعرض لذلك من مخطئ ولامصيب، بل كلهم أحجم وقال هذا يوم عصيب، وعلمت أن خيرا مما عند الناس ماعند الله، وتحققت انه إذا ظهرت البدع وسكت العالم، فعليه لعنة الله. فاستخرت الله تعالى فيما انبه به الغافل، وأبصر به الجاهل، رجاء الموعود به فيمن دعا إلى الهدى، وأن يكون ذلك لأمر الله عز وجل وادا، وحسنة باقية على مر المدى. وكم نصحت في ذلك وأفصحت، وبينت وأوضحت، والشياطين تجرف من السطوات، وتحذر من الهفوات، فأقول مجيبا:
أشد على الكتيبة لا أبالي ... ... احتفي كان فيها ام سواها
فليتك تحلو والحياة مريرة ... ... وليتك ترضى والأنام غضاب
وليت الذي بيني وبينك عامر ... ... وبيني وبين العالمين خراب
إذا صح منك الود فالكل هين ... ... وكل الذي فوق التراب تراب(¬1)
وهذا حين اشرع فيما اجملته على التفصيل، مؤكدا بالبرهان والدليل، معتمدا على الله حسبي ونعم الوكيل.
صفحة ٨٥
والقضية التي وقعت فيها المنازعة، وكثرت فيها المراجعة، حرمة المغرم المسمى بافريقية في هذه الأعصر بالخطايا، المتضمن لأجناس البلايا(¬1)وأنواع الرزايا، وهو عبارة عن أخذ المال من ذوي الجنايات، كالفتل والجرح والقطع والسرقة، وسائر الفواحش، كم عطل بسببه من الحدود التي وصف الرب سبحانه بالظلم متعديها، وتتبع لأجله من العورات التي اشتد وعيد متتبعها ومبديها، وتطرق منه إلى اتهام الرئ، وبحث لأجله على المستور والخفي، واجترأ ذو السعة بها على الشهوات، وهناك ما شاء من الآيات، وأخذ فيها بقول قائل، وتوصل إليها مما ليس تحته طائل، وطلت بها الجراح والدماء، وصار الحكام من أجلها في عمى وعمه. لطالما اشتدت إليها الأطماع، واشتهرت حتى قدرت بالمد والصاع، وأخذ فيها الجر بالجار، والمتبوع بالاتباع، وصارت سنن وأحكام الشريعة فيها ابتداع، كأن لم يقرع نهي الله سبحانه عن أكل المال بالباطل قط الاسماع، ولم يجمع بينه وبين القتل في النهي حتى لم يبق فيه اتساع. وكأن الرسول صلى الله عليه وسلم ما عظم تحريمه بمحضر الاشهاد في خطبة حجة الوداع، وكأن المال لم يجمع على تحريمه على كل التقدير والأوضاع، وكأنه صلى الله عليه وسلم لم يقل: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا منى دماءهم وأموالهم، إلا بحقها وحسابهم على الله"(¬2)، وقد انعقد على صحته الإجماع. لكن منع عين الحرص يعوذ الشعاع، وحب الشيء يعمي الابصار ويصم الاسماع، وما لما رفعه الله من واضع، وما لما وضعه الله من ارتفاع.
صفحة ٨٦
إلى أن وفق لقطعها من الهمه الله رشده، وقرن باتباع أحكامها الكتاب والشريعة يمنه وسعده، وشد بأدعية المؤمنين ملكه وأيده، وصدقه الله في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعده فاعلى كعبه ومجده، وأذل أعداءه، وأعز أولياءه وجنده، أمير المؤمنين، المهدي لاحياء سنة المرسلين، أبو فارس عبد العزيز، جعله الله في حصن حصين وحرز حريز، انه عرف ما فيها من الغوائل، وما دخل على المسلمين فيها من الدخائل(¬1)، ولم يخف عنه فيها ان الاسم هو المسمى، وانكشف له انكشافا، لم يفتقر معه إلى إخراج المعمى، وتجلى له الحق، وكيف يخفى إلا عن بصيرة أعماها حب دنياها واتباع هواها؟ ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا(¬2)، فأثر النجاة من شرها والسلامة، وتبرأ من موجبات الخزي والندامة، وشهر إسقاطها رجاء أن يثقل ميزانه في عرصات القيامة، وأمر بالسياسة الشرعية التي مضى عليها الخلفاء الراشدون، ومن يرتضي من أهل الإمامة، وأنفذ ذلك من حكمه وقضائه، وعزمه الصادق في تحقيق الحقائق وإمضائه، وثبت ذلك في ديوان المكرمات التي أفادها، والمظالم التي محاها وأبادها، والسنن التي أميتت فأحياها وأعادها، ملأ الله قلبه خشية ورحمة، وشرح صدره بنور العلم والحكمة، وضرب عليه سرادق الحفظ والعصمة، فصفر منها وطاب المعتدين، وحسده الشيطان اللعين، فخيل إليهم أنهم إليها غير عائدين، الا أن يجمعوا مكر الماكرين وكيد الكائدين 3/185 ب، فأجمعوا أمرهم على امهال الرعية، وامهال الشريعة، وامهال السياسية الشرعية، وترك حدود الله غير محفوظة ولا مرعية، وإن بعثوا من كل ناحية شكية، ويوذنوا أن كثرة الفساد قطع الخطية. وسبق القلم على من ذكر، فألقى إليهم الاباحة فتمت لهم الامنية، وقد كانوا قبل ذلك في محاورة ومصانعة، ومقاولة ومراجعة، فاستطاعوا ان ينزلوا الخليفة أيده الله عن تلك المنقبة العلية، والرتبة الرفيعة المرضية، حتى زل معينهم في مزلة الهوى، وأغوى لما غوى.
وأنا أسأل الله أن يعصم أمير المسلمين من سواهم، وينجيه من مكيدة إلباسهم. وإليه أضرع في ذلك، فهو الذي بيده أزمة الالسنة والقلوب، وهو الذي يصعد إليه الكلم الطيب غير محجوب.
صفحة ٨٨
مسألة علم حكمها من الحرمة بضرورة الأديان، فكيف تفتقر إلى دليل، ويقام على المحسوس برهان؟ قالوا إذا لم يكن ردعهم إلا بالمال(¬1)، قلنا هذه دعوى عرية(¬1)عن الاستدلال، في مقابلة الدليل العاصم للمال، والروادع الشرعية أردع على التفصيل والاجمال. قالوا: (هذا من)(¬2)المصالح المرسلة. قلنا: هذا من الغباوة والبله(¬3)، المرسل ما لم يقم دليله على اعتباره وإلغائه(¬4)، وتحريم أكل المال(¬5)ضروري من الدين، لا سبيل إلى انتفائه، مع أن عقوبات الجنايات في الشرع مشهورة، وفي كتب الشرائع مسطورة. أفتزيدون في شرائع ربكم؟ أم تريدون ان تأتوا بها من عندكم؟، أأنتم أعلم أم الله؟، أأنتم أحكم أم ليس الأحكام لسواه؟، أخطأتم بالطول من المصالح والعرض؟، أم تنبئون الله بما لا يعلم ما في السموات والأرض ؟، أتجهلون الله في علمه؟، أم تجورونه في حكمه، ما الفرق بينكم وبين من يبدل الجلد بالقطع؟ أو يزيد عليه؟، والقتل بالقطع أو العكس، أو يضيفه إليه؟. أليس هذا من المصالح انما يصير ما زاده مرجوحا، وما زدتموه الراجح. ولو ساغت الزيادة في المشروع لكنتم أولى منه بالنزول إليه والرجوع، لأنه وان أمر بالزيادة، فما خالف في الحق اعتقاده.
صفحة ٨٩
هذا، وما رأه أردع عن المفاسد مما رأيتم ، وأقرب للشريعة عمارمتهم، لأن العقوبات البدنية في الجنايات كثيرة مشهورة، والمالية جمع على تركها، وعلى القول بها في بعض الأنواع محصورة، والوارد منها متأول على وجوه ظاهرة، والنصوص على تحريم أكل المال بالباطل قطعية متظاهرة. فما لكلمات الله تبديل، وليس لقضاء الله تحويل، وتلاشت علوم العالمين في عمله، والله يحكم لامعقب لحكمه. فقفوا عند أحكام الله ولا تكونوا من الجاهلين، "إن الحكم إلا لله، يقص الحق، وهو خير الفاصلين"(¬1)؟. هل يتعدى الحدود أو يزيد عليها إلا من فقد عقله وحسه؟، ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه"(¬2). أي عذر لكم إن زدتم على حكم ربكم أو نقصتم؟ ، وأي خلاص؟ وقد سمعتم الله تعالى يقول: "وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والانف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص"(¬3). أما سمعتم الله يقول في هذه الجنايات: "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون، وأولئك هم الظالمون، وأولئك هم الفاسقون(¬4)؟ هذه أردية من أراد أن يزيد أو ينقص في شريعة ربه، فإن استطعتم، فارتدوها وأنتم هالكون خاسرون. و"تلك حدود الله فلا تعتدوها، ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون"(¬5).
وهذه الظلمات التي أوجبت الغرور، ونحن إن شاء الله نتتبعها. بما يشفي الصدور (4=186/أ) ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
صفحة ٩٠
عنوان الكتاب وسميته: بمطالع التمام ونصائح الأنام، ومنجاة الخواص والعوام، في رد القول بإباحة اغرام ذوي الجنايات والإجرام، زيادة على ما شرع الله من الحدود والأحكام(¬1). وإن شئت، قسميه: بالنصائح الجلية في فضائح القول بتحليل الخطيئة. وان شئت : فنصح البريئة في تخطية من حلل الخطية(¬2). وإن شئت: فرد الرأي المضلل في الظلم المحلل(¬3). وان شئت: فالرماح الخطية في دفع القول بتحليل الخطية. وان شئت: العضب الباترة للآراء الخاسرة. وإن شئت فطعان الأسنة لمن خالف الكتاب والسنة(¬4). وإن شئت: فرمى السهام لمن ضلل الحكام. وإن شئت: فالعذب السلسال في تحقيق الحق في منع العقوبة بالمال. وإن شئت: فنصح الخلفاء في التحصن بحصون الوفاء، والاعراض عن مقالات أهل الغلو والجفاء، اتباعا لشريعة المصطفى صلى الله عليه وسلم. فكلها أسماء وافقت معناها، وطابقت مسماها. والله المسؤول أن يجعل ذلك خالصا لوجهه الكريم، وسببا للنجاة من طعام الأثيم وغل الجحيم، ولدخول جناة النعيم، فهو البر الرحيم، الجواد الكريم.
صفحة ٩١
طرح المسألة في مجلس الخليفة أبي فارس قال المفتي المذكور: وقعت المسألة بين يدي الخليفة أمير المؤمنين، الملك الصالح، العدل المجاهد في سبيل الله، أبي فراس عبد العزيز، أيده الله ونصره، وهي ما يعاقب به الجاني ارتكب جرحا أو قطعا أو هروبا بامرأة، أو أخذ مالا بسرقة او خيانة، او بحرابة أو نحو ذلك من التعدي والغضب. وهي مسألة مشهورة بافريقية بالعقوبة بالمال في هذه الجنايات.
صفحة ٩٢