إني جعلت همي الأول بعد وصولي مدينة غرناطة التفرج على الحمراء هذه، وكنت قد قرأت عنها في كتب الفرنجة أشعارا وفصولا نفيسة حتى إني رأيت في كتابة بواتو الرحالة الفرنسوي ما يزيد عن المبالغات الشرقية في وصف عظمة هذا القصر وغرائبه، وهو - والحق يقال - يمثل قوة الإدراك والخيال وبراعة التنظيم والهندسة والإتقان إلى حد يوجب كل هذا الإعجاب، وما كذب الذي قال إن باني هذا القصر جمع كل ما وصلت إليه علوم البشر من أنواع الزخارف، وأضاف إليها فنون الجن وقصورهم الفخيمة على ما جاء في حكايات الأولين، فكانت النتيجة بناء يسحر الألباب ويذهل العقول وجمالا ما له في آثار الغربيين مثيل.
ولقد مررت بأغراس وصفوف من الشجر البديع في طريقي من الفندق إلى الحمراء وخرير الماء بين صفوف الصنوبر والحور والصفصاف يزيد بهجة المكان ويعد الفكر للتلذذ بمرأى تلك الدار الغريبة، حتى إذا وصلتها دخلت من باب العدل نقش فوقه مفتاح ويد مبسوطة إلى ناحية السماء، ورأيت من بعد الباب ساحة كبرى توسع للفكر المجال اسمها حوش القاضي، ويليها حوش الآس زرع به من أغراس الآس شيء كثير، وهو على ما تعلم من أجمل أشكال النبات وأطيبه نفحا. وسرت بعد ذلك في رواق مستطيل قام على 148 عمودا من الرخام الأبيض مكللة رءوسها بالنقوش البديعة، وقد وضعت أربعة أربعة وثلاثة ثلاثة، وهي طويلة مستدقة لها جمال رائق، وفي أكثرها آثار التذهيب من أيام بنائها، وأرض هذا الرواق مبلطة بالرخام الأبيض، وجدرانه مكسوة بتراب الرخام وقد نقشت كلها نقشا دقيقا حتى صار منظرها يقرب من منظر الخرج المشغول بالإبر لدقة زخارفه ورقة نقوشه، والواقف في هذا الرواق يتأمل منظر عمده الباسقة وجدرانه المتناسقة لا يملك النفس عن إظهار الطرب والإعجاب بذكاء الذين نظموا تلك المحاسن على هذا الشكل المليح.
قصر الحمراء.
ودخلت بعد هذا قاعة السفراء، وهي من غرائب هذا القصر، بني سقفها مثل سقوف الجوامع، وكسيت جدرانها لحد مترين بالقيشاني الأزرق يشبه الفيروز، وفوق هذا القيشاني الثمين في جميع الجدران نقوش دقيقة رقيقة مثل التي مر ذكرها وعبارة «لا غالب إلا الله» في كل الجوانب، وهنالك عبارات أخرى أيضا، مثل «الفتح والنصر المبين لمولانا أبي عبد الله أمير المسلمين.» ولهذه القاعة شبابيك واطئة كثيرة الاتساع يمكن الجلوس عليها لعدة أفراد، وهي تطل على واد بهي وراء غرناطة، واتساع القاعة مع ما فيها من تلك الزخارف يشرح الصدور، وأعظم منها حوش السباع سمي بذلك؛ لأن في وسطه بحيرة يتدفق الماء من أنابيب جميلة فيها، وقد قامت على سباع عدة كلها من الرخام. ولهذه البركة ذكر في التاريخ؛ لأنه قتل فوقها 36 أميرا من بني سراج أصحاب الدولة العربية في ذلك الحين بدسيسة من آل زقل، ومن حول تلك البحيرة مجال واسع مبلطة أرضه بالرخام أيضا وصفوف من العمد المستدقة ذات النقوش الفاخرة والتيجان المجللة بأحسن الزخارف، وقد ارتفعت من فوق هذه العمد قبة شاهقة تزيد بهاء هذه القاعة، فإذا ما وقف المتفرج في وسط هذه القاعة الكبرى يسمع خرير الماء ويرى من حوله هاتيك العمد كالعرائس تسطع وتلمع من كل جانب خيل له أنه في جنة الخلد، وزاد إعجابه بمقدرة الذين بنوا هذا الأثر العظيم.
ودخلت بعد ذلك الحمام الصيفي والحمام الشتوي، وهما على شاكلة الذي تقدم وصفه من حمامات العرب الأخرى ، وتأملت تلك السقوف في غرف القصر كلها، وهي مصنوعة من ألواح خشبية سميكة عليها حفر وترصيع بالذهب والعاج وعرق اللؤلؤ، وأكثر الخشب في السقوف من الأبنوس الثمين، وليس في البناء كله سقف أو جدار يخلو من نقوش عربية وآيات قرآنية محبوكة أطرافها مشتبكة فروعها، كنت أقصدها للتأمل في محاسنها يوما بعد يوم لئلا يفوتني شيء منها، وهي كما تعلم كبيرة طولها 726 مترا وعرضها 197، وقد بنيت على أحد جبال ثلاثة غرست فيها أشجار الصنوبر والسنديان من قدم، والماء يتدفق من جوانبها، فما اجتمعت محاسن الطبيعة والصناعة في مكان أكثر من اجتماعها في ذلك المكان البديع.
وفي غرناطة وضواحيها عدة آثار عربية، منها قصران على مقربة من الحمراء وهما يشبهانها بعض الشبه في النقوش والزخارف، كانا مسكنا لقواد العساكر، وفي الضواحي قصر آخر يسير إليه المتفرج بين حراج من الزيتون والرمان والبرتقال والجوز، وهو أيضا على شاكلة الحمراء بناه محمد الثاني، وكتب على جدرانه قول سلفه: «لا غالب إلا الله» مرارا. وقد أعجبني منظر الرمان في هذه الجهة، وهو مشهور بلذته حتى إن الإفرنج يسمونه باسم غرناطة (بومجراناد)، ومعنى اسمه عندهم تفاح غرناطة. وقد زاد في حسن هذا القصر أنهم أدخلوا إلى حديقته الغناء فرعا من النهر، فالذي يرتقي الأكمة المبني عليها القصر بين صفوف الشجر وبحيرات الماء وجداوله لا يملك نفسه عن إبداء الطرب والعجب، وفي داخل القصر هذا أيضا جامع فخيم مبلط بالرخام وجدرانه مملوءة بالقيشاني وخشبه منزل بالذهب والعاج، وفيه رسوم كثيرة الجمال وآيات دينية مختلفة الأشكال.
وأما جرنادا أو غرناطة الحالية فليس فيها شيء يذكر غير أني شهدت احتفالا دينيا يجلون قدره هنا كثيرا؛ فإنهم في عيد العذراء كل عام - وهو يقع يوم 23 سبتمبر - يسيرون بموكب حافل في طرق المدينة، ويشترك في هذا الموكب رجال الحكومة والدين والأهالي كلهم، وأصحاب الحرف والصنائع ويتكون من ذلك مشهد عظيم يستحق الذكر، يبدأ بجوق من رجال الموسيقى جميل الملابس تتبعه شرذمة من الجنود ثم جوق آخر وشرذمة أخرى من الجنود أيضا يتبع أثرها رئيس المجلس البلدي وأعضاؤه والتجار وأرباب الحرف، ومع كل فئة علم كتب عليه اسم الحرفة، ويلي هؤلاء محافظ المدينة بملابسه الرسمية والنياشين، ثم رجال الدين يرفع أحدهم صليبا قديم العهد فوق عصا من الفضة، ثم تمثال العذراء من الجبس لابسة فاخر اللباس المزركش، وعلى رأسها إكليل من الألماس والملابس كلها مرصعة بنفيس الجواهر، ويرفع هذا التمثال أكبر سراة المدينة وأعيانها فيمرون به في الشوارع الكبرى على هذا الشكل المهيب، ولا يتم الاحتفال قبل ساعتين أو ثلاث ساعات.
مدائن أخرى
وإسبانيا كثيرة المدائن التي لها ذكر في التاريخ فإني لما فرغت من مشاهدة ما في غرناطة برحتها قاصدا «ملاغة»، واسمها العربي مالقة، من الثغور الإسبانية المعروفة وصلتها من أرض تختلف ما بين سهل وجبل، فجعل القطار يخترق الأرض ويدخل نفقا بعد نفق وعدتها عشرون في مسافة 6500 متر، ثم يخرج إلى سهول زرعت فاكهة وعنبا يستخرج منه نبيذ ملاغة المشهور بحلاوته، والأرض هنالك حمراء يختلط ترابها بماء نهر يسمونه «جواد الهوارس» واسمه العربي جدول الحرث، فيحمر ماؤه حتى يخيل لك أنه سيل من الدماء. وأما ملاغة هذه فسكانها لا يزيدون عن 120 ألفا، وهي من أقدم المدائن الإسبانية، انتابها الفينيقيون وجعلها الرومان من المراكز المشهورة، وعرفت في أيام العرب بمقاومة عبد الرحمن مؤسس الدولة العربية وعدم الاعتراف له بالخلافة، ولهذه المدينة شهرة الآن باعتدال الهواء؛ لأنها واقعة على ضفة البحر فلا يشتد حرها في الصيف ولا بردها في الشتاء، ونساؤها جميلات يلبسن المنديل على الرءوس بدل القبعة المعروفة، وأهم ما فيها متنزه يسمونه ألميدا، وهو اسم يطلق على كثير من متنزهات إسبانيا، ولعل المراد منه الميدان محرفة. وفي ألميدا هذه أشجار ومقاعد هي مثابة المتنزهين، وفي هذه المدينة معامل للخمر المشهورة زرنا أحدها وكان مديره مرافقا لنا يشرح لنا كيفية صنعها. وفيها أيضا سوق تعرف باسم سوق العرب باقية على حالها من أيام العرب، وعلى بابها باللغة العربية عبارة «الله الغني»، ومنها اتجهنا إلى معمل الليمون، أريد به محلا يصدر منه الليمون المعروف إلى الخارج، تلف كل ليمونة في ورقة وتشحن، ويقوم بهذا العمل فتيات من سكان المدينة.
ألميرا:
صفحة غير معروفة