المرأة في الجاهلية
القسم الأول
القسم الثاني
المرأة في الجاهلية
القسم الأول
القسم الثاني
المرأة في الجاهلية
المرأة في الجاهلية
تأليف
حبيب الزيات
صفحة غير معروفة
المرأة في الجاهلية
كل من عانى البحث في أحوال العرب في الجاهلية، وتصفح ما دون عنهم في أسفار التاريخ الإسلامية، يعلم ما يكتنف تلك الأعصار من الظلمات الطامسة، على آثارها المودية بكثير من صحيح أخبارها، بحيث كان هذا اليسير المنقول منها لا يسد حاجة ولا يشفي غلة، فضلا عما يتنازعه من الأقوال المتناقضة، والروايات المتضاربة التي لا يصح معها رأي، ولا يتجه بها حكم، وفضلا عن كون أكثر هذه الروايات واردا مورد الأقاصيص والخرافات، مما لا يتضح به بحث ولايبنى على مثله علم؛ ولذلك لم يكن بد للناظر في هذا الصدر من تاريخ العرب، المستزيد بيانا لأحوالهم وتفصيلا لوجوه معيشتهم، المتشوف إلى الوقوف على كنه أخلاقهم، واستطلاع طلع عوائدهم؛ من إعادة النظر فيما جاء عنهم لذلك العهد، والتنقيب عن تتمته في تضاعيف الأخبار، وغضون الأحاديث التي لا يكاد يخلو منها مصنف في اللغة، أو مؤلف في الأدب، والاستعانة على تحقيق موضع الشاهد فيها من استقراء دواوين الشعراء في الجاهلية وبدء الإسلام. وهي على عزتها وتعذر منالها، تكاد تكون فيما عدا اللغة والأمثال أوحد الآثار التي تمثل تلك الأعصار. ولا يخفى ما يقتضي مثل هذا المطلب الشاق من الجلد الرابط، وما يستغرقه من الوقت الطويل، مما لا يضطلع به الواحد، ولا يتسنى بلوغه لكل طالب.
وإنما جاء هذا النقص لاشتغال العرب في القرون الأولى من الإسلام بجهاد المشركين وفتح الفتوحات، وانصراف الرواة منهم عن رواية الأخبار الجاهلية إلى استقصاء الأحاديث الإسلامية، حتى إذا استقر فيهم الملك، ودانت لهم الأمصار، وأخلدوا إلى الحضارة؛ كان أول ما دفعتهم إليه الحاجة تدوين بعض ما يستعينون به على تفهم السنة، والحديث، وأحكام تلاوة القرآن، كما يشهد بذلك ما نقل عن أصل وضع فني الصرف والنحو؛ ولذلك كانت أكثر تآليفهم في سائر العلوم لا تتجاوز في بدء أمرها حد الكفاية، ولا تتعدى الغرض الذي دعاهم إلى وضعها؛ لأنفتهم من انتحال غير العلوم الدينية، واطراحهم كل ما عداها مما لا يرجع إليها أو لا يعين عليها؛ نظرا لقرب عهدهم بالبداوة، واشتغالهم بتولي الرئاسة وتقلد الأعمال السلطانية، حتى كان أكثر حملة العلم بينهم من العجم، كما نبه على ذلك ابن خلدون في مقدمته.
ولهذه الأسباب لم أطمع، حين أقبلت على البحث عن حالة الأنثى في الجاهلية، أن أفي هذا الموضوع حقه، ولا أن أحيط بالمسألة من جميع أطرافها؛ لغياب ما يمثل تلك الحالة بتمامها، لا سيما وأن الكلام فيها نسج على غير منوال وطبع على غير مثال؛ إذ لا أعلم فيما بلغني أن قد سبق لأحد من أهل اللسان العربي كلام في هذا الصدد أو استقصاء في البحث عنه؛ ولذلك اضطررت أن أرجع في كثير مما ذكرته إلى أبيات من الشعر، أصبتها بعد طويل الجهد متفرقة في أقوال شتى لشعراء مختلفين، أوردتها شواهد بما وصفته جريا على المشترط في أصول البحث من الاحتجاج لكل قول بما يثبت صحته وينفي عنه شبهة الوضع. ولم أقتصر منها على ما كان جاهليا بحتا، بل نقلت أحيانا من شعر المخضرمين وأهل الطبقة الأولى من المحدثين ما أصبت الشاهد فيه؛ إذ كانت الأخلاق والعوائد لذلك العهد لم تحل بعد بتمامها عما كانت عليه في الجاهلية، إلا ما نسخه الشرع أو حظره الدين.
ولست أدعي بذلك أن ما حكيته هو تمثيل الواقع وإصابة السداد؛ فرب رأي تخيل لي أنه هو الراجح، والأرجح غيره. وإنما حكمت بحسب ما ثبت لي من الظاهر ودلتني عليه القرائن، وعلى قدر ما اجتمع عندي من الشواهد التي حصلتها مما تهيأ لي مطالعته من المصنفات التي تكاد تنحصر في شرح الحماسة للتبريزي، وجزء من العقد الفريد لابن عبد ربه، وبعض صفحات من كتاب الأغاني للأصبهاني. ولا ريب أنه إذا تسنى لأحد من ذوي الخبرة والاطلاع استكمال مثل هذه المطالعات واستقراء أشباه هذه الشواهد في مظانها؛ يظفر منها بما يكون حكاية الصحيح وفصل الخطاب، وينجلي البحث بعدها بما لا يذكر معه ما اشتملت عليه هذه العجالة القاصرة.
وقد قسمت الكلام عن حالة الأنثى إلى قسمين، وصفت في الأول حياتها المادية، وفي الثاني حياتها الأدبية، مقتصرا في كل منهما على ما قل ودل، ميلا مع الفائدة، واكتفاء بالشاهد الواحد في مقام الاحتجاج.
القسم الأول
معلوم أن العرب في جاهليتهم كانوا أكثرهم أهل بادية؛ معاشهم من القيام على الإبل يغتذون بألبانها، ويقتاتون بلحومها، ويكتسون بأوبارها، ويتخذونها ركائب يقطعون عليها مجاهل القفار، فكانت لذلك مخصصة عندهم بمزيد العناية، يتخيرون لها أطيب الأرض بقعة، وأكثرها عشبا، ويتتبعون لأجلها مواقع الغيث على حسب اختلاف الفصول، فلا يزالون دهرهم في حل وترحال يطوفون الآفاق طلبا للمرعى وارتيادا للماء. غير أنهم كثيرا ما كانوا يصابون بالقحط ويحتبس عنهم المطر، فيهلكون هم ومواشيهم جوعا، أو تدفعهم الحاجة أو الطمع إلى الإغارة على من جاورهم فيقطعون السابلة، ويغزو بعضهم بعضا فينهبون ويسبون، وربما أصاب أحدهم الفتاة العذراء أو المتزوجة أم البنين فيحسبها غنيمة باردة كسبها برمحه، ويختصها لنفسه دون تحرج ولا تورع، وربما سبيت منه فيغتصبها غيره، فلا تزال تنتقل من مالك إلى آخر إلى أن يتيسر لأهلها استرجاعها، فتعود إلى منزلها الأول وقد لزمها من العار ما يبقى سبة لذويها مدى الدهر.
وقد كانت السبية لمعرفتها بمقدار الذل الذي يلحقها من امتلاكها بالسبي، وأنفتها من تعيير أهل مولاها ودعائهم إياها بالأمة؛ تتحين الفرص لمفارقته وتعمل على الفرار من يديه، لا يثبطها عن ذلك طول صحبتها إياه مع إحسانه إليها، ولا يثني من عزمها ما يصلها به من علاقة الولد، كما ذكر أبو عمرو الشيباني عن سلمى امرأة عروة بن الورد، وقد كان أصابها بكرا من بني كنانة، وأعتقها وتزوجها واتخذها لنفسه، فمكثت عنده بضع عشرة سنة، وولدت له أولادا، وهو لا يشك أنها أرغب الناس فيه، وهي تقول له: لو حججت بي فأمر على أهلي، وأراهم. فحج بها، ثم أتى المدينة، فلما هم أن يعود بها قالت سلمى لقومها: تعالوا إليه وأخبروه أنكم تستحيون أن تكون امرأة منكم معروفة النسب صحيحته سبية وافتدوني منه؛ فإنه لا يرى أني أفارقه. فأتوه وسقوه الشراب فلما ثمل قالوا له: فادنا بصاحبتنا فإنها وسيطة النسب فينا معروفة، وإن علينا سبة أن تكون سبية، فإذا صارت إلينا وأردت معاودتها فاخطبها إلينا. فامتنع ثم اشترط عليهم أن يخيروها، فاختارت أهلها ثم أقبلت عليه فقالت: يا عروة، أما إني أقول فيك - وإن فارقتك - الحق، والله ما أعلم امرأة من العرب ألقت سترها على بعل خير منك، وأغض طرفا وأقل فحشا وأجود يدا وأحمى لحقيقة، وما مر علي يوم منذ كنت عندك إلا والموت فيه أحب إلي من الحياة بين قومك؛ لأني لم أكن أشاء أن أسمع امرأة من قومك تقول: قالت أمة عروة كذا وكذا إلا سمعته، ووالله لا أنظر في وجه غطفانية أبدا، فارجع إلى ولدك راشدا، وأحسن إليهم. فقال عروة في ذلك أبياتا ذكرها صاحب الأغاني.
ولهذين السببين - أي خوف العار وخوف الفقر - كان بعض العرب يئدون بناتهم، لا يفعل ذلك منهم عابد الوثن فقط، بل المتنصر أحيانا، كما نقل عن عدي بن ربيعة المعروف بالمهلهل زير النساء أنه لما ولدت له ابنته ليلى أمر بدفنها، ثم بدا له فاستحياها. وذكر عن قيس بن عاصم أنه وأد بيده بضع عشرة ابنة له قال: وما رحمت منهن إلا واحدة، ولدتها أمها وأنا في سفر، ودفعتها إلى أخوالها، فلما قدمت وسألت عن الحمل، أخبرت أنها ولدت ميتا، ومضت سنون حتى ترعرعت، فزارت أمها ذات يوم، فدخلت فرأيتها قد ضفرت لها شعرها وزينتها وألبستها الحلي، فقلت: من هذه الصبية فقد أعجبني حسنها؟ فبكت وقالت: هذه ابنتك. فأمسكت عنها حتى اشتغلت أمها فأخرجتها وحفرت حفرة وجعلتها فيها، وهي تقول: يا أبت أتغطيني بالتراب؟! حتى واريتها وانقطع صوتها.
صفحة غير معروفة
واستمر الوأد جاريا عند العرب إلى أن قام زيد بن عمرو النصراني، فجعل ينهي عنه، وتبعه صعصعة بن ناجية جد الفرزدق، فأخذ يطوف في القبائل يشتري الموءودة بناقتين وجمل، يشتري حياتها لا رقها، وظل كذلك إلى أن جاء الإسلام وقد فدى ثلاثمائة موءودة، وقد افتخر بفعله هذا الفرزدق فعده في شعره من جملة مآثر آبائه فقال:
وجدي الذي منع الوائدات
وأحيا الوئيد فلم يوأد
ونظرا لتأصل هذه العادة القبيحة في نفوسهم وتعارفهم بها، كان الوالد إذا أدركته الشفقة على ابنته وأحب استحياءها، يجهد بإخفائها من الناس؛ لئلا يفطن لها أحد، مثلما فعل عصيم بن مروان بابنته نضيرة أم حصن بن حذيفة، فيما حكاه أبو محمد الأعرابي ولم يكن له ولد غيرها، فلما ولدت له ورآها انتشرت نفسه عليها ورق لها، وقال لأمها: استرضعيها وأخفيها من الناس.
ومع ذلك، فلم يكن العرب بأسرهم على هذا المنوال يئدون بناتهم، فإن عددا منهم ليس بالقليل كانوا يستحيونهن، غير أنهم كلهم قاطبة كانوا يكرهونهن ويرون ولادتهن مصيبة عليهم؛ أنفة من العار الذي قد يلزم عنهن، وهربا من مئونة تربيتهن. وقد سئل أحدهم عن ولده فقيل له: كم ولدك؟ فقال: قليل خبيث. فقيل له: كيف؟ قال: لا أقل من واحد، ولا أخبث من أنثى. وقال آخر في ابنة له كانت تبالغ في بره وإكرامه:
تهوى حياتي وأهوى موتها أبدا
والموت أكرم نزال على الحرم
وقد توارث هذه الكراهة الخلف عن السلف، حتى إنه لما أراد بعض الإسلاميين أن يهنيء بعض الوزراء قديما بابنة ولدت له احتاج أن يذكر - تسلية له - ما في السماء والأرض وما بينهما من الإناث، وهذا نص كتابه أورده تفكهة ليعلم منه كم كانت الأنثى مبغضة إلى والديها. قال:
أهلا وسهلا بعقيلة النساء، وأم الأبناء، وجالبة الأصهار، والأولاد الأطهار، المبشرة بإخوة يتسابقون، ونجباء يتلاحقون.
ولو كان النساء كمثل هذي
صفحة غير معروفة
لفضلت النساء على الرجال
فما التأنيث لاسم الشمس عيب
ولا التذكير فخر للهلال
والله يعرفك البركة في مطلعها، والسعادة بموقعها، فادرع اغتباطا، واستأنف نشاطا؛ فالدنيا مؤنثة: والناس يخدمونها، والذكور يعبدونها. والأرض مؤنثة: ومنها خلقت البرية، وفيها كثرت الذرية. والسماء مؤنثة: وقد زينت بالكواكب، وحليت بالنجوم الثواقب. والنفس مؤنثة: وهي قوام الأبدان، وملاك الحيوان. والحياة مؤنثة: ولولاها لم تتصرف الأجسام، ولا تحرك الأنام. والجنة مؤنثة: وبها وعد المتقون، وفيها تنعم المرسلون.
إلى آخر ما هنالك مما هو بالتعزية أشبه منه بالتهنئة. وأما التهنئة الصحيحة فإنما كانت تكون عندهم إذا توفيت الأنثى، وأقل ما كانوا يكتبونه في التهنئة بوفاتها قولهم: ستر العورات من الحسنات، ودفن البنات من المكرمات، وتقديم الحرم من النعم. وغير ذلك مما لا أستقصي في ذكره.
على أن بعض العرب كانوا في عكس من سبق، يحبون بناتهن ويبذلون في إكرامهن غاية جهدهم، دون أن يمنعهم ما كانوا يتقونه منهن من الفضيحة وثقل المئونة عن توفيتهن حقهن من العناية والتربية، بحيث كانوا يجزعون لأقل أذى يحل بهن. قال حطان بن المعلى:
لولا بنيات كزغب القطا
رددن من بعض إلى بعض
لكان لي مضطرب واسع
في الأرض ذات الطول والعرض
صفحة غير معروفة
وإنما أولادنا بيننا
أكبادنا تمشي على الأرض
لو هبت الريح على بعضهم
لامتنعت عيني من الغمض
وقد بقيت آثار ذلك كله إلى اليوم كما هو مشهور في هذه الأقطار.
وقد نقبت كثيرا فيما بين يدي لأجد ما أصف به حالة الأنثى في بيتها إذا ترعرعت وما كان يستغرق وقتها من أشغال المنزل ومهمات تدبيره؛ فلم أظفر من ذلك بالبلاغ؛ فإن البيت كله كان في الغالب قائما في طراف أو خباء، يتولين فيه الردن - أي الغزل، ومنه اشتقاق ردينة من أسمائهن - أو ينسجن الصوف والوبر والشعر ونحوه، وقد يدبغن الأديم ويرملن الحصير. قال الوليد بن عقبة:
فإنك والكتاب إلى علي
كدابغة وقد حلم الأديم
وقال النابغة:
كأن مجر الرامسات ذيولها
صفحة غير معروفة
عليه حصير نمقته الصوانع
ومهمات المنزل بأسره منحصرة في تهيئة الطعام، فيما لا يكاد يخرج عن اللبن الحليب والأقط والتمر والدقيق والعسل والزبد والسمن والزيت والشحم، شأن سائر سكان القفار الباقين على نشأتهم الطبيعية؛ ولذلك إذا راجعنا مآكل العرب وحلوياتهم لم نرها تتعدى هذه الأشياء، تفرد أو تخلط بعضها ببعض، وأما اللحم فغاية إحضاره أن يشوى على الجمر أو على الحصى، أو يدفن في الرماد، أو يكون جيد النضج بالغه أو قليله؛ مما يرجع إلى حالة واحدة ولا يتطلب كبير عناء؛ ولذلك كان بعض النساء يخرجن راعيات يقضين يومهن في القيام على الإبل أو الشياه، وبعضهن بائعات كما نقل عن ذات النحيين في المثل المشهور، وأكثر ما كن يبعن العسل والسمن والتمر والعطر، يطفن به الأحياء يستبدلنه أحيانا بالشحم، أو يلزمن به مكانهن فيأتيهن الرجال يتطيبون به لديهن كما جاء في المثل عن منشم في أحد الأقوال، وربما تعرضن للركبان بالأدم والبرم؛ أي الجلود والقدور. قال النابغة أيضا:
ليست من السود أعقابا إذا انصرفت
ولا تبيع بجنبي نخلة البرما
وبعد ذلك:
كادت تساقطني رحلي وميثرتي
بذي المجاز ولم تحسس به نغما
من قول حرمية قالت وقد ظعنوا:
هل في مخفيكم من يشتري أدما؟
ولا يبعد أن يكون هنالك صنائع أخرى كن يتعاطينها مما لا يكاد يتعدى حاجة ساكن القفر، مثلما جاء عن ردينة أنها كانت في خط هجر هي وزوجها سمهر يقومان الرماح؛ ولذلك نسبت الرماح إليهما، فقيل رمح رديني ورمح سمهري.
صفحة غير معروفة
ويلحق بهذا ما كان يتعاطاه بعضهن من فنون الكهانة، كالضرب بالحصى - مما يشاهد مثله في بدويات اليوم - وكزجر الطير أو العيافة، وهي أن ترمي الطائر بحصاة أو أن تصيح به، فإن طار عن اليمين استسعدت به، وإن طار عن اليسار تشاءمت به، تسمى العرب الأول سانحا، والثاني بارحا، وكانوا يعتقدون بصحة هذه الخرافات، وقل من أنكرها منهم كلبيد حيث يقول:
لعمرك ما تدري الضوارب بالحصى
ولا زاجرات الطير ما الله صانع
وكن فيما عدا التنجيم يتكلفن الرقي والنفث في العقد من فنون السحر، وهو أن يعقدن عقدا في خيوط أو في وتر وينفثن عليها؛ أي ينفخن مع ريق، وقد استعاذ منهن القرآن فقال:
قل أعوذ برب الفلق * من شر ما خلق * ومن شر غاسق إذا وقب * ومن شر النفاثات في العقد .
على أن كثيرا من هذا الذي تقدم كان تقوم به الولائد والإماء من الرقيق، وهن وقتئذ يعددن بالألوف، فكن يستخدمن في عامة حاجات المعيشة: من رعي الإبل خاصة، وخدمة المنزل ، وتعاطي المهن، وسائر ما تتطلبه لوازم الحياة في القفر مما كانت تترفع عنه حرائر النساء أو يأنفن من مزاولته؛ لما يترتب عليه عندهن من العار والغضاضة في الشرف. قال التبريزي في شرح قول قيس بن الخطيم:
يهون علي أن ترد جراحها
عيون الأواسي إذ حمدت بلاءها «الأواسي المداويات للجراح، وإنما ذكر النساء؛ لأنهم يأنفون من الصناعات ويعلمونها العبيد والإماء وحرائر النساء، إذا لم يكن في غاية بعيدة من الشرف.» ولذلك قال النابغة في البيت المتقدم: ولا تبيع بجنبي نخلة البرما. وقال ذو الإصبع العدواني:
عني إليك فما أمي براعية
ترعى المخاض ولا رأيي بمغبون
صفحة غير معروفة
ومن أظهر الدلائل على هذه الأنفة من الامتهان والتبذل قولهم في المثل: تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها.
ومما يلحق بذلك الغناء، فإنه في الجاهلية كان من خصائص الإماء، وتسمى عندهم الأمة المغنية بالقينة والكرينة، وأول من غنى من الإماء - فيما زعموا - جاريتان كانتا لمعاوية بن بكر من قبيلة عاد الهالكة، وهما المدعوتان في الأخبار بالجرادتين.
ولا يبعد أيضا أن تكون الأمة هي التي كانت تتولى خياطة الثياب وإصلاحها بنفسها، أو تسعفها في ذلك مولاتها، إذا كان المخيط لها أو لأسرتها أو لم تكن عريقة في الشرف، وكانت النساء لذلك العهد أو بعضهن يحتفلن بملابسهن، ولا يقتصرن على لبس القطن والصوف والوبر، بل يتشحن أحيانا بالديباج والحرير حسب يسارهن. قال المنخل اليشكري:
الكاعب الحسناء تر
فل في الدمقس وفي الحرير
وأقل من ذلك لبسهن الثياب الموشاة بالذهب قال سلمى بن ربيعة:
والبيض يرفلن كالدمى
في الريط والمذهب المصون
يعني بالبيض النساء، يتبخترن في الريط وهي الملاءة الواسعة، والمذهب المصون يراد به الثياب الفاخرة المطرزة بالذهب، على أنهن كن في أوقات الخلوة يقتصرن على لبس الصدار والمجول والإتب تحت دروعهن، وهي كما ذكره الثعالبي قمص متقاربة الكيفية في القصر واللطافة وعدم الأكمام، ولا بد أن ذلك كان عاما لهن، حتى قيل في المثل: كل ذات صدار خالة.
وأما الزي الذي كن يتخذنه في ملابسهن فالظاهر أنه كان لا يخلو من بعض التأنق، ومن أغرب الشواهد الدالة على مبلغه عندهن هذه الوسادة التي تضعها نساء الفرنجة ونساؤنا تحت أثوابهن في أسفل الخصور لتعظيم ما خلف الظهور، فإنها ليست من إيجاد مخترعات الزي في أوروبا، بل هي من معلومات نساء العرب في سالف الدهر، وتسمى عندهن بالعظامة والحشية والرفاعة، وإذا قرأنا في تفسيرها قول أرباب اللغة «العظامة ثوب كالوسادة تعظم به المرأة عجيزتها»؛ علمنا أنها هي هي ما نراه اليوم في زي المرأة المتمدنة، ومن ذلك أيضا عادة إطالة الذيول وجرها تبخترا وخيلاء، وأشعار العرب طافحة بذكرها، فلا حاجة إلى النص عليها في بيت بعينه.
صفحة غير معروفة
وأشد من اهتمامهن بالملبس حرصهن على التحلي، وبلغ من شغفهن به أنهن لم يقتصرن على الحلي الواحد في الموضع الخاص به، بل ربما عددنه في كل قسم منه، كاليد مثلا؛ فإنهن فيما عدا الخواتم في الأصابع اتخذن فيها للمعصم سوارا، وللساعد جبيرة، وللعضد دملجا. وكالرجال فقد ذكر الثعالبي فضلا عن الخلخال والخدمة لها الفتخ لأصابعها، وقال تلبسها نساء العرب، وكذلك الأذن؛ فقد جاء الشنف لما يعلق في أعلاها والقرط لأسفلها، ويظهر أن السوار لم تكن تلبسه إلا الحرائر من النساء دون الإماء، بدليل قول حاتم الطائي لما لطمته العنزية حين فصد لها البعير: لو ذات سوار لطمتني!
ومن لوازم التحلي ولواحقه التزين والتبرج فيما يتناوله من التطيب والاختضاب والوشم وترجيل الشعر وتزجيج الحواجب والتكحل وما أشبه، وأكثر ما كان الوشم في ظاهر الكف والمعصم يدل على هذا الثاني قول زهير في معلقته:
ودار لها بالرقمتين كأنها
مراجيع وشم في نواشر معصم
وربما وشمت الحمقاء غير ذلك ليكون أحسن لها، كما ذكروا في تفسير المثل: هو أعظم في نفسه من المتشمة. وأما الشعر فيستفاد من وصف امرئ القيس للفرع في معلقته المشهورة أنهن كن إذا أردن ترجيله تفنن في ضفره وتهيئته، وخالفن فيه بين تثنية وإرسال وهو قوله:
غدائره مستشزرات إلى العلى
تضل العقاص في مثنى ومرسل
ونظرا لما يترتب على الفرع الطويل من الحسن كن إذا قصر شعر إحداهن تصله بغيره ليكون أتم لها، وتسمى من كانت كذلك بالواصلة والطالبة له بالمستوصلة، وقد لعنهما كلتيهما الرسول كما لعن الواشمة والمستوشمة والنامصة والمتنصمة، ومعنى النامصة الناتفة لشعرها كما تفعل بعض النساء اليوم، ومنه قول الراجز:
يا ليتها قد لبست وصواصا
ونمصت حاجبها تنماصا
صفحة غير معروفة
أراد بتنماص الحاجب نتف ما نبت فيه وراء القوس من الشعر، وكانت العرب تحب الحواجب المزججة أي المدققة المطولة، وأما صبغها المعروف بالخطوط فلم تكن تعرفه البدويات، وإنما هو من تبرج الحضريات كما قال أبو الطيب:
أفدي ظباء فلاة ما عرفن بها
مضغ الكلام ولا صبغ الحواجيب
ولا حاجة إلى التنبيه على أن هذا الذي تقدم من حرص المرأة على التزين والتحلي كان يشاهد في غير المرأة الثاكل أو الفاقد؛ فإن حداد هذه كان يشغلها عن كل زهو وتبرج؛ ولذلك عرفوا الحداد بكونه خاصة ترك الزينة والخضاب، وإن كان في الواقع يتناول غير ذلك كلبس السلب السود، وهي ثياب المأتم، والمسوح كما قال لبيد:
يخمشن حر أوجه صحاح
في السلب السود وفي الأمساح
وقد تعصب الحاد رأسها أيضا بالسلاب، كما يدل عليه قول ضمرة بن ضمرة النهشلي:
هل تخمشن إبلي علي وجوهها
أم تعصبن رءوسها بسلاب؟!
بل ربما تناول الحداد ما هو أشد من ترك الزينة؛ كحلق الشعر وتعليق النعلين أحيانا، كما ذكر عن الخنساء أنها رؤيت بعد مقتل أخيها صخر تطوف بالبيت محلوقة الرأس وهي تبكي وتلطم خدها وقد علقت نعل صخر في خمارها، فلما عوتبت على ذلك ونهيت عنه قالت أبياتا منها:
صفحة غير معروفة
ولكني رأيت الصبر خيرا
من النعلين والرأس الحليق
قال المبرد: وتأويل النعلين أن المرأة كانت إذا أصيبت بحميم لها جعلت في يديها نعلين تصفق بهما وجهها وصدرها. قال عبد مناف بن ربع الهذلي:
ماذا يغير ابنتي ربع عويلهما
لا ترقدان ولا بؤسي لمن رقدا
إذا تجاوب نوح قامتا معه
ضربا أليما بسبت يلعج الجلدا
وقصره الإصابة على الحميم فقط يدل على أنه إذا لم يكن المصاب به كذلك ندبته المرأة بغير نعلين، واستعاضت عنهما بخرقة تمسكها بيدها وهي تنوح كما تصنع النوادب اليوم، وتسمى هذه الخرقة بالمئلاة قال الشاعر يصف سحابا:
كأن مصفحات في ذراه
وأنواحا عليهن المآلي
صفحة غير معروفة
ومما اشتهر عنهن البروز عند سماع النعي حاسرات بغير نقاب كما سيجيء، وخمش الوجه وقد تقدم شاهده، وشق الجيب كما قال طرفة:
وإن مت فانعيني بما أنا أهله
وشقي علي الجيب يابنة معبد
وأقل منه تخريق الخمار كما قال صخر في أخته الخنساء:
والله لا أمنحها شرارها
وهي حصان قد كفتني عارها
وإن هلكت خرقت خمارها
واتخذت من شعرها صدارها
وأما مدة الحداد فلا يبعد أنها كانت تختلف باختلاف منزلة الفقيد أو نسبه، وقد جعلها لبيد حولا كاملا، حيث قال يخاطب ابنتيه بعد أن نهاهما عن خمش الوجه وحلق الشعر:
إلى الحول ثم اسم السلام عليكما
صفحة غير معروفة
ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر
ومما يتصل بالملبس التقنع والتنقب، وقد كان النقاب يستر الوجه إلى قصبة الأنف أو إلى المحجر فقط، بحيث كانت ترى منه العين، ولعله لم يكن في بدء الأمر إلا فضلة القناع تردها المرأة على شفتها كما يرد الرجل فضل عمامته على فمه، بدليل إطلاق لفظ اللثام على كلا الردين. ثم ما لبث اللثام أن ارتفع إلى ما فوق الفم فكان لفاما، ثم انتهى إلى الأنف فغشيه أو بعضه فكان نقابا، وربما ضاق أيضا حتى لا تبدو منه إلا العين فقط وهو البرقع والوصواص. قال المثقب العبدي:
ظهرن بكلة وسدلن أخرى
وثقبن الوصاوص للعيون
وذكر أبو زيد في كتاب النوادر أنه قيل لأعرابي: ما تقول في نساء بني فلان؟ فقال: برقع وانظر. يريد حسن أعينهن.
ومن هذا الترتيب يستدل على أن النقاب كان في أول اتخاذه كاللثام للرجال، ثم لما جعل أرباب الهوى لا يرون حسناء إلا تعشقوها ونظموا فيها الأبيات السائرة تحرز منهم النساء بالنقاب؛ سترا لمحاسنهن أن يبتذلها الوصف، فأصبح لذلك التنقب عادة أوجبها التعفف والتصون. يشهد بذلك ما ذكر عن المتجردة امرأة النعمان ملك الحيرة حين سقط يوما نصيفها؛ أي خمارها، فأبصرها النابغة الشاعر فبادرت واستترت بيدها وذراعها، فكادت ذراعها تستر وجهها لامتلائها وغلظها، فما لبث النابغة بعد هذه اللمحة اليسيرة أن نظم قصيدته الدالية، وصف فيها المتجردة وصفا نبه فيه على أكثر محاسنها حتى تجاوز إلى رضابها، فقال فيه ما أوجب غضب النعمان عليه، ولما انتهى إلى أمر سقوط النصيف واستتار المتجردة قال:
سقط النصيف ولم ترد إسقاطه
فتناولته واتقتنا باليد
ونقل مثل ذلك عن طرفة لما كان بين يدي عمرو بن هند يشرب وأشرفت أخت للملك فرآها طرفة، فقال فيها بيتين من الشعر نقمهما عليه عمرو بن هند، وكان من بعض ما بعثه على الأمر بقتله كما ذكر في قصته.
ومما يدل على أن التنقب لذلك العهد كان تصونا استئثار الحرائر به دون الإماء، حتى كانت الحرة إذا خشيت السبي يوما وأرادت أن تأمن على نفسها تلقي عنها النقاب وتبرز حاسرة كالأمة ليظن أنها هي فلا يتعرض لها. قال التبريزي في شرح قول معدي كرب:
صفحة غير معروفة
وبدت لميس كأنها
قمر السماء إذا تبدى
أي برزت هذه المرأة كاشفة عن وجهها، وإنما فعلت كذلك إما للتشبه بالإماء حتى تأمن السباء، أو لما تداخلها من الرعب، ومثله:
ونسوتكم في الروع باد وجوهها
يخلن إماء والإماء حرائر
على أن التنقب لم يكن عاما لكل الحرائر على السواء ملازما لهن في جميع أحوالهن؛ فإن بعضهن كن لا ينتقبن من الرجل إذا كان غير شجاع تظاهرا بالاحتقار له أن يكون عاجزا عن حماية الأعراض ومدافعة الأعداء، وقد نقل عن بني الحرث بن كعب خاصة أنه إذا كان الرجل منهم جبانا لم تختمر منه امرأة أبدا، وكن كلهن جمع إذا فاجأهن ما يذهلن له من مصيبة أو حزن يبرزن حاسرات سافرات عن وجوههن يلطمنها باكيات. قال الربيع بن زياد في مقتل مالك بن زهير:
من كان مسرورا بمقتل مالك
فليأت نسوتنا بوجه نهار
يجد النساء حواسرا يندبنه
يلطمن أوجههن بالأسحار
صفحة غير معروفة
قد كن يخبأن الوجوه تسترا
فاليوم حين برزن للنظار
يضربن حر وجوههن على فتى
عف الشمائل طيب الأخبار
وقد وصف المتنبي مثل هذا في بعض نساء المحدثين فقال:
وأخرجت الخدور مخبآت
يضعن النقس أمكنة الغوالي
أتتهن المصيبة غافلات
فدمع الحزن في دمع الدلال
ومثل ذلك كانت تفعل بعض النساء الحسان، فكن في أكثر الأوقات يبرزن للنظار سافرات؛ عجبا بجمالهن أن يستره قبح القناع. وقد عرف ذلك منهن حتى كانت المرأة إذا رؤيت حريصة على التنقب والتستر حكم عليها لأول وهلة أنها قبيحة المنظر، واعتقد فيها أنها إنما تقنعت لتغر الناظر إليها وتوهمه جمالها؛ ولذلك قيل في المثل: ترك القناع من ترك الخداع. وقد ذكر عمر بن أبي ربيعة عادة النساء الحسان في ترك التقنع، فقال من شعر له:
صفحة غير معروفة
ولما تفاوضنا الحديث وأسفرت
وجوه زهاها الحسن أن تتقنعا
أي استخفها الحسن أن تستر وجهها بالقناع. قال التبريزي في شرح هذا البيت: وهكذا كانت نساء العرب تفعل إذا كانت جميلة. وقد ذكر مثل ذلك الشماخ وأبو النجم من الرجاز، فقال الأول: أطارت من الحسن الرداء المحبرا. وقال الثاني: من كل غراء سقوط البرقع.
وعلى كل فأيا كان السبب لم تكن النساء يبرزن حاسرات إلا وهن حريصات على التعفف حرصهن عليه وهن منتقبات مستترات، كما قال في مثلهن بعض واصفيهن:
برزن عفافا واحتجبن تسترا
وشيب بقول الحق منهن باطل
فذو الحلم مرتاب وذو الجهل طامع
وهن عن الفحشاء حيد نواكل
كواس عوار صامتات نواطق
بعف الكلام باخلات بواذل
صفحة غير معروفة
ومن هنا يعلم أن النساء لم يكن جميعا يستترن بالنقاب استتارا لا يكشفن فيه عن وجوههن البتة، بل كان كثيرات منهن يبرزن للرجال، ولا سيما الفتيات يراهن الراغب في الزواج فيخطبهن عن معرفة ومرأى لا عن شهادة ورواية، وقد بقي بعض هذه العادة إلى ما بعد الإسلام، فكان بعض النساء يبرزن للرجال يحدثنهم ويحدثونهن، كما ذكر عن سكينة بنت الحسن، وتسمى من كانت كذلك برزة، وبعضهن يجلسن لخطابهن، كما صرح بذلك ابن عبد ربه في العقد الفريد فيما نقله عن معبد بن خالد الجدلي أنه قال: خطبت امرأة من بني أسد في زمن زياد، وكان النساء يجلسن لخطابهن، فجئت لأنظر إليها وكان بيني وبينها رواق، فدعت بجفنة من الثريد مكللة باللحم فأتت على آخرها وألقت العظام نقية، ثم دعت بقربة صغيرة مملوءة لبنا فشربته حتى أكفأت القربة على وجهها، وقالت: يا جارية، ارفعي الستر. فإذا هي جالسة على جلد أسد، وإذا شابة جميلة، فقالت لي: يا عبد الله، أنا أسدة من بني أسد وعلى جلد أسد، وهذا طعامي وشرابي، فإن أحببت أن تتقدم فتقدم، وإن أحببت أن تتأخر فتأخر. فقلت أستخير الله في أمري وأنظر. وخرجت ولم أعد، وأورد ابن عبد ربه حكايات أخر في مثل هذا المعنى، بعضها أصرح في الدلالة، لا أنقلها لطولها فليطالعها من يشاء.
وعلى ذكر الخطبة والزواج فقد يظهر أن بعض فتيات الأعراب كن يتزوجن في سن حدث جدا، ومما لا يكاد يصدق ما وجدته في رجز لبعض النساء قالته في ابنتها رداعلى جارة لها ولدت غلاما. فقالت:
وما علي أن تكون جاريه
تغسل رأسي وتكون الفاليه
حتى إذا ما بلغت ثمانيه
زوجتها مروان أو معاويه
أختان صدق ومهور غاليه
فإن تزوج الفتاة في الثامنة من سنها مما ينكره الطبع وتكاد تنكره الطبيعة، ولعله إنما كان يقع في الظاهر فقط ليملك أمرها، ثم لا يبتني عليها إلا متى أدركت كما نقل عن الرسول فيما ذكره ابن عبد ربه من أنه تزوج عائشة في السادسة من سنها، وابتنى عليها في التاسعة.
ولا يبعد أن تكون هذه العادة باقية إلى اليوم في بعض المدن الإسلامية، كما يؤخذ مما ذكره نيبهر
1
صفحة غير معروفة
في كتابه في وصف بلاد العرب، وهو أحد من زارها سنة 1763، قال في معرض كلامه عن الجمع بين الزوجات: «سمعت في فارس أن امرأة وضعت في الثالثة عشرة من سنها.» قال: «وفي هذه البلاد تزوج البنات من التاسعة من أعمارهن.» وذكر أيضا في الجزء الثاني من كتابه هذا من بعض ما تختلف فيه أهل الجبال وأهل المدن: «إن بنات اليمن يتزوجن في التاسعة أو العاشرة من سنيهن، وأما بنات الجبال فيندر أن يتزوجن قبل الخامسة عشرة.»
ومهما يكن من مقدار العمر فلم تكن الفتاة تزوج في الغالب إلا من كان غريبا عنها لا تجمعها به صلة معرفة أو صلة نسب؛ أما صلة المعرفة فلأنهم كانوا شديدي الغيرة على أعراض النساء أن يلحق بهن ما يعرضن من أجله للظنة، حتى لقد كانوا يمنعون زواج الفتاة لمجرد سلام يسلمه عليها الرجل، فضلا عما إذا كان مشتهرا بهواها. قال عبد الشارق بن عبد العزي العزى:
ألا حييت عنا يا ردينا
نحييها وقد كرمت علينا
أي نسلم عليها وإن كان في السلام يأس منها. قال أبو رياش فيما نقله التبريزي في شرح هذا البيت: «قيل إن الرجل إذا عرف بحب امرأة لم يزوجوه إياها، فإذا سلم عليها عرف أنه يهواها.» وقريب من هذا فيما أظن قول الآخر:
وما لي من ذنب إليهم علمته
سوى أنني قد قلت: يا سرحة اسلمي
نعم فاسلمي ثم اسلمي ثمت اسلمي
ثلاث تحيات وإن لم تكلمي
وأما صلة النسب فلأن العرب كانت تعتقد أن الرجل إذا تزوج قريبة له جاء ولده ضاويا نحيفا. قال أعرابي:
صفحة غير معروفة
ألا فتى نال العلا بهمه
ليس أبوه بابن عم أمه
ترى الرجال تهتدي بأمه
ولذلك جاء في الحديث: اغتربوا لا تضووا. أي تزوجوا في الأجنبيات ولا تتزوجوا في العمومة.
ولكنهم في ضد ذلك كانوا يتزوجون أحيانا بنساء آبائهم، كما ذكر الأصبهاني في آمنة بنت أبان أنه لما مات عنها أمية بن عبد شمس تزوجها من بعده ابنه أبو عمر. وقال: وكان هذا نكاحا تنكحه الجاهلية فأنزل الله تعالى تحريمه قال:
ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا
فسمي نكاح المقت.
وقد يتوهم كثير من الناس أن النساء في ذلك العهد، كن يتزوجن من يختاره لهن ذووهن ويكرهن على الاقتران بمن لا يعرفنه أو لا يرغبن فيه. وهذا، وإن كان يجري بعضه أحيانا، لا يصح في الإطلاق، بل كانت الأنثى مخيرة في الغالب تختار من تشاء، وتتزوج من تعرف إذا لم يكن ثم ما يمنع زواجها كما سبق مما يخشى منه على طيب الذكر، أو يبعث تحدث الناس. وقد جاء على ذلك شواهد كثيرة، أجتزئ منها بما نقلوه عن الخنساء الشاعرة من أنها كانت تهنأ بعيرا لها، ودريد بن الصمة يراها وهي لا تشعر به، فأعجبته فانصرف وأنشد أبياتا منها:
ما إن رأيت ولا سمعت به
كاليوم طالي أينق جرب
صفحة غير معروفة
متبذلا تبدو محاسنه
يضع الهناء مواضع النقب
فلما أصبح غدا على أبيها، فخطبها إليه، فقال له أبوها: مرحبا بك أنك الكريم لا يطعن في حسبه، والسيد لا يرد في حاجته، ولكن لهذه الفتاة في نفسها ما ليس لغيرها، وأنا أذكرك لها. ثم دخل إليها وقال لها: يا خنساء، أتاك فارس هوازن وسيد بني جشم يخطبك وهو من تعلمين. فقالت: يا أبت أتراني تاركة بني عمي مثل عوالي الرماح ومتزوجة شيخ بني جشم هامة اليوم أو غد. فلم يجبها أبوها بشيء مع رغبته في تزويجها لدريد، وخرج إليه، وقال: يا أبا قرة قد امتنعت، ولعلها أن تجيب فيما بعد. وسيأتي فيما عدا هذا دليل آخر أكثر صراحة يعلم منه كم كانت الأنثى يومئذ حرة في اختيار من تشاء ورفض من تشاء زوجا لها، وفي هذا الشاهد الذي نقلته عن الخنساء شاهد آخر بما تقدم ذكره من أن بعض النساء كن إذا أردن يخرجن حاسرات بلا نقاب، ولذلك قال دريد: متبذلا تبدو محاسنه.
ومما يزيد في فضل هذه المشيئة التي تركها العرب لفتياتهم في اختيار الزوج أن النساء في الجاهلية أو بعضهن كن يطلقن رجالهن، وكان طلاقهن أنهن إن كن في بيت من شعر حولن الخباء إن كان بابه قبل المشرق حولنه قبل المغرب، وإن كان بابه قبل اليمن حولنه قبل الشام، فإذا رأى ذلك الرجل علم أنها قد طلقته، فلم يأتها كما حدث لحاتم الطائي مع امرأته ماوية مثلما هو مذكور في قصته. وقد قيل في حاتم هذا إنه كان نصرانيا، فإن صح هذا القول كان في تطليق امرأته له دليل على أن الطلاق كان مشتركا بين النصارى وعابدي الوثن، وهذا الموضع مهم للمشتغل بتاريخ النصرانية في الجاهلية والإسلام، فلينتبه إليه. ونظيره ما ذكر من تطليق امرئ القيس لامرأته أم جندب حين حكمت لعلقمة الفحل عليه عندما تحاكما إليها فيما قالاه من الشعر، وفي هذه القدرة التي كانت للمرأة على تطليق الرجل دليل ناطق بمقدار منزلتها في الجاهلية، بحيث كان لها من الحقوق قريب مما كان للرجل؛ تطلقه إن أنكرت منه سوء معاملة لها، أو تحامل عليها، أو رأته مهملا لمكانها مقبلا على ما تكره منه، وفي هذا من العدل والإنصاف ما لا يخفى على أحد.
ولم يكن الجمال في المرأة الجاهلية هو وحده المعين لها على الزواج، فإن كثيرين من الرجال كانوا يؤثرون فيها جمال النفس، وكمال الخلق وشرف النسب وكرم العنصر ودهاء الرأي، وذكاء الفهم سواء كانت مع ذلك حسناء، أو قبيحة، وأكثر ما كانوا يلتمسون فيها شهرة الأسم، وتطاير الصيت، فرب فتاة كانت خاملة الذكر مجهولة المكان متناهية الفقر لا يأتيها راغب ولا يخطبها خاطب، ثم اتفق ما نوه باسمها ونبه على منزلتها من شعر قيل فيها أو في مدح أسرتها، فما لبثت حتى أقبل عليها الطلاب من كل قبيلة يبذلون لها من المهر ما أغنى ذويها، وأدر عليهم أخلاف الرزق، كما روي عن المحلق الكلابي أنه كان له ثلاث أخوات قد كسدن عليه، وكان مع ذلك فقيرا سيء الحال، فاتفق أن مر ذات يوم به الأعشى الشاعر، فبادر وبعث إليه بالضيافة وأكرمه، فما كان بعد قليل حتى قال الأعشى شعرا سار وشاع في العرب، فما أتت على المحلق سنة حتى زوج أخواته الثلاث؛ كل واحدة على مائة ناقة وأيسر وشرف. وحكى صاحب الأغاني أيضا أن امرأة جاءت إلى الأعشى نفسه، وقالت له: إن لي بنات قد كسدن علي فشبب بواحدة منهن لعلها أن تنفق. فشبب بواحدة منهن، فما شعر الأعشى إلا بناقة بعثت إليه، فقال: ما هذا؟ قالوا: زوجت فلانة. فشبب بالأخرى، فأتاه مثل ذلك، فسأل عنها فقيل: زوجت. فما زال يشبب بواحدة فواحدة منهن حتى زوجن جميعا.
وأما الذكاء والفطنة فما من أحد يجهل قصة شن وما ألزم به نفسه من أن لا يتزوج إلا بامرأة تضاهيه في الدهاء، فكان يجوب البلاد في ارتياد طلبته إلى أن صادف في بعض أسفاره أبا طبقة، فسأله أسئلة لم يفطن لمغزاها، حتى فسرتها له ابنته طبقة تفسيرا حمل شنا على خطبتها وتزوجها، ونظير ذلك ما يحكى عن امرئ القيس من أنه كان قد أقسم ألا يتزوج امرأة حتى يسألها عن ثمانية وأربعة واثنين، فجعل يخطب النساء فإذا سألهن عن هذا قلن أربعة عشر، فبينما هو يسير في جوف الليل إذا هو برجل يحمل ابنة له صغيرة فأعجبته، فقال لها: يا جارية ما ثمانية وأربعة واثنان؟ فقالت: أما ثمانية فأطباء الكلبة، وأما أربعة فأخلاف الناقة، وأما اثنان فثديا المرأة. فخطبها إلى أبيها، فزوجه إياها واتفق له معها قبل الزواج ما يدل على شدة ذكائها ووفرة عقلها مما لا أنقله لطوله. وفي هذه الحكاية دليل أيضا على ما سبق التنبيه عليه من أن بعض الفتيات كن يتزوجن في سن حدث، وهو قول صاحب الرواية عن الرجل الذي لقيه امرؤ القيس أنه كان يحمل ابنة له صغيرة، ولم يمنعه صغرها مع ذلك من تزويجها.
القسم الثاني
تقدم في القسم الأول وصف المرأة الجاهلية في حياتها المادية، وسأصف في هذا القسم حياتها الأدبية، وما كان لها من المنزلة والتأثير في أسرتها وبين قومها، وأول ما أذكر من ذلك سلطتها على القلوب واستيلاؤها على الأفكار، حتى كانت مفتتح كل قول ومنصرف كل حديث، كالبسملة تقدم بين يدي كل كلام، وكالقبلة ينثني إليها وجه كل داع، بحيث لم يكن من شعر ينظم إلا يقف الشاعر في مطلعه يحيي المرأة تحية خاشع لها خاضع، ويصف في مستهله شوقه إليها صفة هائم بمحاسنها مفتون بمحبتها، وما برحوا يعتقدون ذلك فرضا واجبا عليهم، حتى عم ذكر المرأة سائر أقوالهم ومنظوماتهم مهما اختلفت فيها الأحداث النفسانية، فصاروا يذكرونها في غير مقامات الصبابة وفي حين لا داعي إلى ذكرها، كفي أحيان الغضب مثلا وطلب الثأر مما لا يبقى للنفس فيه محل لرقة القلب ووصف الأشواق، والشواهد على ذلك كثيرة، أجتزئ منها بواحد آخذه من شعر لذي الإصبع العدواني، قاله في ابن عم له كان يعاديه ويبغيه شرا، فلما هاج به هائج الغيظ قال فيه قصيدة افتتحها بذكر امرأة له اسمها أم هارون أولها:
يا من لقلب شديد الهم محزون
أمسى تذكر ريا أم هارون
صفحة غير معروفة