المنهج في الفكر العربي المعاصر: من فوضى التأسيس إلى الانتظام المنهجي
تصانيف
91
ورفع الحصار في وعينا عن مفاهيم كان العلم الاجتماعي الأوروبي يقمعها فينا، كما تحررنا من «سلطة مقولات الأيديولوجيات والعلوم الاجتماعية الخاصة بالمجتمعات الغربية الرأسمالية المتطورة، ولنعتبرها مجرد مقولات نسبية تعبر عن حالة أو حالات، ضمن أحوال أخرى موجودة أو سبق أن وجدت. إن هذه هي الخطوة الأولى الضرورية التي بدونها لن نتمكن من رؤية واقعنا كما هو، واقعنا في الماضي وواقعنا في الحاضر.»
92
الملاحظ أن هذا التوجه يحتاج إلى تحرير القول، صحيح أن الدراسات الأنثروبولوجية قدمت عدة منهجية للفكر الإنساني، وأغنت الدراسات المنهجية، لكنها لا تصلح دائما أن تكون أنموذجا لكل الدراسات، خصوصا عندما يتعلق الأمر بمجتمع - كما يؤكد الجابري - كالمجتمع العربي، فما تزال مفاهيم هذا العلم موضوع خلاف إلى اليوم بين أهل الاختصاص، وغير ذات اتفاق وغير مستقرة، فمن المستبعد أن تكون أداة مصالحة مع الواقع العربي، ولا تقوى على القراءة الواعية لماضيه وحاضره.
وهنا نوع من التناقض في تصريح الجابري بتفكيك المقولات المنهجية الغربية الواردة علينا، وبين ادعاء الانتماء إلى التراث ومقولاته وخصوصيات المجتمع الأم، وحقه في أدوات ومنهجيات تراعي هذه الخصوصيات، وبين التنويه بأدوات خارجية ليست إلا وجها للتحليل الأيديولوجي الاستعماري.
أما المفهوم الآخر الذي استعان به وأثث به مشروعه؛ فهو مفهوم «الحفر المعرفي» الذي استمده من ميشيل فوكو أثناء مقارنته وتحليله لمفهوم «الراعي والرعية» في الفكر الشرقي القديم، والمضمون الذي كان له في الفكر اليوناني.
لكن بغية الجابري الفكر الشرقي القديم من خلال الحفر في الحضارات الشرقية البابلية والمصرية، فهذا النوع من الاستمداد - كما يرى - يعيننا على تجاوز «النظرة الدوغمائية [الماركسية منها والقومية والاغترابية السلفية] التي سادت الفكر العربي في العقود الأخيرة، التي كانت تفرض على الناس لونا واحدا من الرؤية (...) أما اليوم فالأمر يختلف، فالتعددية على الصعيد العالمي والعربي تجعلنا، على المستوى النظري، قادرين على أن نرى مفاتيح وليس مفتاحا واحدا (...) في قراءتنا للواقع السياسي العربي»،
93
ليعلن المحددات المنهجية التي ينبغي اعتمادها في إطار هذه التعددية في قراءة التاريخ السياسي العربي، وهي: (1)
القبيلة: وهي ما تقصده الدراسات الأنثروبولوجية بالقرابة، أثناء دراسته للمجتمعات البدائية، والسابقة على الرأسمالية، أو ما سبق أن عبر عنه ابن خلدون ب «العصبية» أثناء دراسته لطبائع العمران. (2)
صفحة غير معروفة