٠٨ الأدب: إنّ مَن يستقرئ مصنفات التاج السبكي، لَيجدُ فيها رَصانةً في الأسلوب، ودقّةً في التعبير وذوقًا عاليًا في انتقاء العبارة والكلمة فهو رجل أديب ذوّاق، وما ذلك إلا نتيجة لصحبته لأديب وفحل زمانه صلاح الدين الصفدي، حيث صحبه منذ صغره وجرت بينهما مراسلات ومساجلات أدبية وشعرية مشهورة، قال التاج السبكي: «كنت أصحبه منذ كنت دون سن البلوغ، وكان يُكاتِبني وأكاتبه، وبه رَغِبتُ في الأدب» (١).
وقد أتقنَ التاجُ الأدبَ بقسميه: النّثر والشعر، أما النثر فيبرز في كتاباته وخاصة مقدماته في تلك الكتب، كما ويبرز فيما يصف به الشخصيات المترجَم لها في كتابه الطبقات؛ فمن ذلك ما صدّر به ترجمة إمام الحرمين الجويني بقوله: «هو البحر وعلومه درره الفاخرة، والسماء وفوائده التي أنارت الوجود نجومها الزاهرة يَمَلّ الحديد من الحديد، وذهنه لا يَمَلّ من نصرة الدين فولاذه، وتَكِلّ الأنفس وقلمه يَسِحّ وابل دمعه ورذاذه، ويدجو الليل البهيم ولا ترى بدرًا إلا وجهه في محرابه، ولا ناظرًا إلا طرفه ناظرًا في كتابه ... هذا إلى لفظ غُرَّه سحر، إلا أنّه حِلّ وبِل، ودرّه يتيم، إلا أنّه لا يَذِل، بفصيح كَلِمٍ، قالت النحاة: هذا ما عجز عنه زيد وعمرو وخالد، وبليغ قول قالت البُلَغاء: قصّر عن مداه طريق الفصاحة والتّالد (٢») (٣) اهـ.
وأما الشعر ففيه رقّةٌ وعذوبةٌ وروعةٌ قد لا تجدها عند كبار الشعراء، فمن ذلك ما كتبه إلى صديقه وحميمه الصلاح الصفدي:
يا راحلًا بِحَشا الُمقيمِ على الوفا ... ما الطَّرفُ بَعدَكَ مُؤذِنًا بِهُجُوعِهِ
إن غِبتَ عَنهُ فَما تَغَيَّرَ مِنه إلا ... جِسمُهُ سَقَمًا ولَونُ دُموعِهِ
والقَلبُ بَيتُ هَواكَ رَاحَ كأنّهُ ... بَيتُ العَروضِيِّينَ مِن تِقطيعِهِ (٤)
وقوله أيضًا:
ما غَيَّرَ البُعْدُ حالًا كُنتَ تَعرِفُهُ ... ولا تَبَدَّلْتُ بَعدَ الذِّكْرِ نِسيانا
ولا ذَكَرْتُ جَليسًا كُنتُ آلفُهُ ... إلا جَعَلتُكَ فَوقَ الكُلِّ عُنوانا (٥) (٦)
٠٩ النحو: علم النحو من علوم الآلة التي لا يكون الفقيه فقيهًا ولا الأصولي أصوليًا إلا إذا كان ذا قدم راسخة في النحو، والتاج السبكي لم يُهمِل النحو أبدًا، فقد قرأ النحو على أبي حيان الأندلسي إمام النحو في عصره بلا منازع، ويكفيه فخرًا أنّه تلميذ أبي حيان في ذلك، ومن هنا تُدرِك منزلة التاج في هذا الفن.
_________
(١) التاج السبكي، طبقات الشافعية (١٠/ ٦)
(٢) أي القديم الأصلي، الجوهري، الصحاح (٢/ ٢١) مادة تلد
(٣) التاج السبكي، طبقات الشافعية (٥/ ١٦٥ - ١٦٦)
(٤) المصدر السابق (١٠/ ٧)
(٥) التاج السبكي، طبقات الشافعية (١٠/ ١٢)
(٦) لمزيد من الإطلاع على منزلة التاج السبكي الأدبية انظر رسالة الدكتور عوض محمد أحمد كركي المعنونة بـ «تاج الدين السبكي والقضايا الأدبية من خلال كتابه طبقات الشافعية الكبرى» حيث عرض لشخصية التاج السبكي الأدبية من خلال كتابه الطبقات وبين قيمة ومنزلة التاج الأدبية من خلال أمثلة استخرجها من ثنايا تراجمه في الطبقات.
1 / 33