
رأيته فيه مراحل كثيرة . فقلت له : وأين المقصد ؟ فقال : مكة ، فعلمت إنه محمول(1) ، فودعته ومضى ، ولم أره حتى مضت ثلاث سنين ، فلما كان ذات يوم ، أنا جالس في منزلي أتفكر في أمره وما كان منه ، إذا بإنسان يدق الباب ، فخرجت إليه ، فإذا أنا بصاحبى ، فسلمت عليه وقلت : مرحبا وأهلا ، وأدخلته المنزل ، فرأيته منقطعا والها تالفا ، عليه زرمانقة(2) حافيا حاسرا ، فقلت : هيه ايش الخبر ؟ فقال : يا أستاذ لاطفني حتى أدخلنى الشبكة فرمانى ، فمرة يلاطفني ومرة يهددني ويخيفني مرة ، ويكرمني أخرى ، فليته وقفني على بعض أسرار أوليائه ، ثم ليفعل بي ما شاء . قال معروف : «فأبكاني كلامه . فقلت له : فحدثنى ببعض ما جرى عليك منذ فارقتني ، فقال : هيهات أن أريد ، وهو يريد أن يخفيه . ولكن بدءا ما فعل في طريقي إليك مولاي وسيدي ، ثم استفرغه البكاء ، فقلت : وما فعل بك ؟ قال : جوعني ثلاثين يوما ثم جئت إلى قرية فيها مقثأة(2) قد نبذ منها المدود وطرح ، فقعدت [51 - ب ] اكل منه ، فبصرني صاحب المقثأة فأقبل إلي يضرب ظهري وبطني ويقول : يا لص ما خرب مقثأتي غيرك ، منذ كم أرصدك حتى وقعت عليك ، فبينما هو يضربني إذ اقبل فارس نحوه مسرعا إليه وقلب السوط في رأسه وقال : تعمد إلى ولى من اولياء الله فتسول له : يا لص ، فأخذ صاحب المقثأة بيدي فذهب بي إلى منزله ، فما أبقى من الكرامة شيئا إلا عمله ، واستحلني وجعل مقثأته لله ولأصحاب معروف ، فقلت له : صف لى معروفا ، فوصف لي فعرفتك بما كنت قد شاهدته من صفتك ، اقل معروف : فما استتم كلامه حتى دق صاحب المقثأة الباب ودخل إلي ، وكان موسرا ، فأخرج جميع ماله وأنفقه على
صفحة ١٧٤