قال: ادخل يا «روبير!»
فلما سمعت هذا الاسم - الذي صار لها عدة سنين لم تسمعه - صرخت، وسقطت على كرسي وراءها وبكت. ثم قالت: روبير! روبير! فمن لي أن أراه؟!
فقال لها: ليس هذا وقت البكاء، فإننا في شغل أقوى منه وأعظم. وكان «روبير» في هذه المسافة قد دار في أنحاء تلك القبة، واطلع على ما فيها من العجائب والأشياء الثمينة، ولما سمع النداء دخل على سيدته ، فوجدها خاوية القوى، تذرف الدمع المدرار، فتقدم إليها وقبل أياديها، وبكى هو أيضا، وقال لها: الحمد لله الذي من علينا باللقاء بعد هذا البعاد.
ثم قالت: يا «روبير»، وأين ولدي الآن؟ ومتى أراه؟
قال: هو خارج المدينة، وفي هذه الليلة سترينه - إن شاء الله.
ثم أخبرها بما عزموا عليه من فتح الأبواب، ودخول «كورش» بدون حرب ولا طعان، ففرحت لذلك، فجلس «روبير» يقص عليها كل ما حصل في غيابها، وكيف انتشلوه من سجن جده، وكيف رباه الوزير، وكيف عشق بنت ملك أشور، ثم خلصها من يد «أفراسياب»، وفتح مدينة «بابل» لأجلها، وقد تزوج بها الآن، وصار يحكم على جميع مملكة «مادي» وبلاد فارس وعاصمة مملكة «بابل» الشهيرة، قالت: وما فعل بأبي؟
قال: هو عنده في قصره في غاية الإكرام يعبد الله في خلوته، وقد آمن بالله، وترك عبادة النار، وكل أهل المدينة آمنوا، وهدمت معابد النار، وأقاموا شعائر الله، وبنيت فيها المساجد لله - سبحانه وتعالى.
ولما سمعت «مندان» سجدت لله شكرا، وحمدت الله وأثنت عليه، وكان الوقت قريب الغروب، ثم قام «ألفونك» و«روبير» وودعاها وذهبا بغاية السرعة بعد أن وعداها، وقالا: إن الملك يكون في الغد عندها بإذن الله.
ثم إن «ألفونك» جمع قواده الذين يثق بهم، وأعطاهم التعليمات بغاية الدقة، ثم أخرجوا «روبير» بغاية الاحتراص إلى الخارج بعد أن حددوا له الموعد في وقت الهجوم.
فهرع إلى مولاه وأخبره بكل ما رأى وسمع من سيدته «مندان»، ففرح «كورش» وود لو أنه يهدم أسوار المدينة، ويدخل منها ويرى والدته التي قضى معظم أيامه، وهو بحسرتها وغاية مناه أن يسمع عنها خبرا، أحية هي أم ميتة؟!
صفحة غير معروفة