مفاتيح الغيب
الناشر
دار إحياء التراث العربي
رقم الإصدار
الثالثة
سنة النشر
١٤٢٠ هـ
مكان النشر
بيروت
تصانيف
التفسير
لِجَوْهَرِ النَّفْسِ الْمُدَبِّرَةِ لِكُلِّيَّةِ الْبَدَنِ، فَكَذَلِكَ بِوَاسِطَةِ الْخُطُوطِ الشُّعَاعِيَّةِ الْمُنْبَثَّةِ مِنَ الْكَوَاكِبِ الْوَاصِلَةِ إِلَى أَجْزَاءِ هَذَا الْعَالَمِ تَحْدُثُ فِي تِلْكَ الْأَجْزَاءِ نُفُوسٌ مَخْصُوصَةٌ مِثْلُ نَفْسِ زَيْدٍ وَنَفْسِ عَمْرٍو، وَهَذِهِ النُّفُوسُ كَالْأَوْلَادِ لِتِلْكَ النُّفُوسِ الْفَلَكِيَّةِ، وَلَمَّا كَانَتِ النُّفُوسُ الْفَلَكِيَّةُ مُخْتَلِفَةً فِي جَوَاهِرِهَا وَمَاهِيَّاتِهَا، فَكَذَلِكَ النُّفُوسُ الْمُتَوَلِّدَةُ مِنْ نَفْسِ فَلَكِ زُحَلَ مَثَلًا طَائِفَةٌ، وَالنُّفُوسُ الْمُتَوَلِّدَةُ مِنْ نَفْسِ فَلَكِ الْمُشْتَرِي طَائِفَةٌ أُخْرَى، فَتَكُونُ النُّفُوسُ الْمُنْتَسِبَةُ إِلَى رُوحِ زُحَلَ مُتَجَانِسَةً مُتَشَارِكَةً، وَيَحْصُلُ بَيْنَهَا مَحَبَّةٌ وَمَوَدَّةٌ، وَتَكُونُ النُّفُوسُ الْمُنْتَسِبَةُ إِلَى رُوحِ زُحَلَ مُخَالِفَةً بِالطَّبْعِ وَالْمَاهِيَّةِ لِلنُّفُوسِ الْمُنْتَسِبَةِ إِلَى رُوحِ الْمُشْتَرِي، وَإِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَنَقُولُ: قَالُوا: إِنَّ العلة تكون أقوى من المعلول، فكل طَائِفَةٍ مِنَ النُّفُوسِ الْبَشَرِيَّةِ طَبِيعَةٌ خَاصَّةٌ، وَهِيَ تَكُونُ مَعْلُولَةً لِرُوحٍ مِنْ تِلْكَ الْأَرْوَاحِ الْفَلَكِيَّةِ وَتِلْكَ الطَّبِيعَةُ تَكُونُ فِي الرُّوحِ الْفَلَكِيِّ أَقْوَى وَأَعْلَى بِكَثِيرٍ مِنْهَا فِي هَذِهِ الْأَرْوَاحِ الْبَشَرِيَّةِ، وَتِلْكَ الْأَرْوَاحُ الْفَلَكِيَّةُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى تِلْكَ الطَّائِفَةِ مِنَ الْأَرْوَاحِ الْبَشَرِيَّةِ كَالْأَبِ الْمُشْفِقِ وَالسُّلْطَانِ الرَّحِيمِ، فَلِهَذَا السَّبَبِ تِلْكَ الْأَرْوَاحُ الْفَلَكِيَّةُ تُعِينُ أَوْلَادَهَا عَلَى مَصَالِحِهَا وَتَهْدِيهَا تَارَةً فِي النَّوْمِ عَلَى سبيل الرؤيا، وأخرى في اليقظة في سَبِيلِ الْإِلْهَامِ، ثُمَّ إِذَا اتَّفَقَ لِبَعْضِ هَذِهِ النُّفُوسِ الْبَشَرِيَّةِ قُوَّةٌ قَوِيَّةٌ مِنْ جِنْسِ تِلْكَ الْخَاصِّيَّةِ وَقَوِيَ اتِّصَالُهُ بِالرُّوحِ الْفَلَكِيِّ الَّذِي هُوَ أَصْلُهُ وَمَعْدِنُهُ ظَهَرَتْ عَلَيْهِ أَفْعَالٌ عَجِيبَةٌ وَأَعْمَالٌ خَارِقَةٌ لِلْعَادَاتِ، فَهَذَا تَفْصِيلُ مَذَاهِبِ مَنْ يُثْبِتُ الْجِنَّ وَالشَّيَاطِينَ، وَيَزْعُمُ أَنَّهَا مَوْجُودَاتٌ لَيْسَتْ أَجْسَامًا وَلَا جُسْمَانِيَّةً.
وَاعْلَمْ أَنَّ قَوْمًا مِنَ الْفَلَاسِفَةِ طَعَنُوا فِي هَذَا الْمَذْهَبِ، وَزَعَمُوا أَنَّ الْمُجَرَّدَ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ إِدْرَاكُ الْجُزْئِيَّاتِ، وَالْمُجَرَّدَاتِ يَمْتَنِعُ كَوْنُهَا فَاعِلَةً لِلْأَفْعَالِ الْجُزْئِيَّةِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا بَاطِلٌ لِوَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ يُمْكِنُنَا أَنْ نَحْكُمَ عَلَى هَذَا الشَّخْصِ الْمُعَيَّنِ بِأَنَّهُ إِنْسَانٌ وَلَيْسَ بِفَرَسٍ، وَالْقَاضِي عَلَى الشَّيْئَيْنِ لَا بُدَّ وَأَنْ يَحْضُرَهُ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِمَا، فَهَهُنَا شَيْءٌ وَاحِدٌ هُوَ مُدْرِكٌ لِلْكُلِّيِّ، وَهُوَ النَّفْسُ، فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْمُدْرِكُ لِلْجُزْئِيِّ هُوَ النَّفْسُ. الثَّانِي: هَبْ أَنَّ النَّفْسَ الْمُجَرَّدَةَ لَا تَقْوَى عَلَى إِدْرَاكِ الْجُزْئِيَّاتِ ابْتِدَاءً، لَكِنْ لَا نِزَاعَ أَنَّهُ يُمْكِنُهَا أَنْ تُدْرِكَ الْجُزْئِيَّاتِ بِوَاسِطَةِ الْآلَاتِ الْجُسْمَانِيَّةِ، فَلِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ:
إِنَّ تِلْكَ الْجَوَاهِرَ الْمُجَرَّدَةَ الْمُسَمَّاةَ بِالْجِنِّ وَالشَّيَاطِينِ لَهَا آلَاتٌ جُسْمَانِيَّةٌ مِنْ كُرَةِ الْأَثِيرِ أَوْ مِنْ كُرَةِ الزَّمْهَرِيرِ، ثُمَّ إِنَّهَا بِوَاسِطَةِ تِلْكَ الْآلَاتِ الْجُسْمَانِيَّةِ تَقْوَى عَلَى إِدْرَاكِ الْجُزْئِيَّاتِ وَعَلَى التَّصَرُّفِ فِي هَذِهِ الْأَبْدَانِ، فَهَذَا تمام الكلام في شرح هذه المذاهب.
وَأَمَّا الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّ الْجِنَّ أَجْسَامٌ هَوَائِيَّةٌ أَوْ نَارِيَّةٌ فَقَالُوا: الْأَجْسَامُ مُتَسَاوِيَةٌ فِي الْحَجْمِيَّةِ وَالْمِقْدَارِ، وَهَذَانِ الْمَعْنَيَانِ أَعْرَاضٌ، فَالْأَجْسَامُ مُتَسَاوِيَةٌ فِي قَبُولِ هَذِهِ الْأَعْرَاضِ، وَالْأَشْيَاءُ الْمُخْتَلِفَةُ بِالْمَاهِيَّةِ لَا يَمْتَنِعُ اشْتِرَاكُهَا فِي بَعْضِ اللَّوَازِمِ، فَلِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: الْأَجْسَامُ مُخْتَلِفَةٌ بِحَسَبِ ذَوَاتِهَا الْمَخْصُوصَةِ وَمَاهِيَّاتِهَا الْمُعَيَّنَةِ، وَإِنْ كَانَتْ مُشْتَرِكَةً فِي قَبُولِ الْحَجْمِيَّةِ وَالْمِقْدَارِ؟ وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَنَقُولُ: لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: أَحَدُ أَنْوَاعِ الْأَجْسَامِ أَجْسَامٌ لَطِيفَةٌ نَفَّاذَةٌ حَيَّةٌ لِذَوَاتِهَا عَاقِلَةٌ لِذَوَاتِهَا، قَادِرَةٌ عَلَى الْأَعْمَالِ الشَّاقَّةِ لِذَوَاتِهَا، وَهِيَ غَيْرُ قَابِلَةٍ لِلتَّفَرُّقِ وَالتَّمَزُّقِ؟ وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَتِلْكَ الْأَجْسَامُ تَكُونُ قَادِرَةً عَلَى تَشْكِيلِ أَنْفُسِهَا بِأَشْكَالٍ مُخْتَلِفَةٍ، ثُمَّ إِنَّ الرِّيَاحَ الْعَاصِفَةَ لَا تُمَزِّقُهَا، وَالْأَجْسَامَ الْكَثِيفَةَ لَا تُفَرِّقُهَا، أَلَيْسَ أَنَّ الْفَلَاسِفَةَ قَالُوا: إِنَّ النَّارَ الَّتِي تَنْفَصِلُ عَنِ الصَّوَاعِقِ تَنْفُذُ فِي اللَّحْظَةِ اللَّطِيفَةِ فِي بَوَاطِنَ الْأَحْجَارِ وَالْحَدِيدِ، وَتَخْرُجُ مِنَ الْجَانِبِ الْآخَرِ؟ فَلِمَ لَا يُعْقَلُ مِثْلُهُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ فَإِنَّ الْجِنَّ تَكُونُ قَادِرَةً عَلَى النُّفُوذِ فِي بَوَاطِنِ النَّاسِ وَعَلَى التَّصَرُّفِ فيها، وأنها
1 / 82