ومن ثم يتبين لنا أنه إذا صح ما يقوله مؤرخو نشأة المذاهب الفقهية وانتشارها من أن أبا يوسف القاضي صاحب أبي حنيفة حينما جعله الرشيد رئيسا للقضاء، وربط به القضاء كان لا ينصب قاضيا إلا من أتباع مذهب ابي حنيفة، فإن عمله هذا يدل على بصيرة نافذة وإدراك عميق لمصلحة القضاء والمتقاضين، لأنه كان الطريق الوحيد لتوحيد الحكم القضائي الواجب عندما لا يكون الفقه مقننا.
/22 - من مزايا التقنين من الفقه: يرى جمهور الفقهاء والمعاصرين أن مزايا التقنين وموجباته تفوق كثيرا ما يراه البعض من محاذيره(1) . ويقول الأستاذ الدكتور وهبة الزحيلي معذدا مزايا التقنين ما خلاصته، أن منها سهولة مراجعة الأحكام.
فمن المعروف أن كتبنا الفقهية معروضة بأسلوب يختلف عن أسلوب العصر، وهي تغص باختلاف الآراء في القضية الواحدة. وهذا يجعل غير المتخصص (وهم أكثر الناس) في حرج وحيرة حين يريدون الأخذ بحكم فقهي. فإذا ما قننت أحكام الفقه بعبارة سهلة مألوفة، ورتبت ترتيبا ميسرا فعندئذ يسهل على القاضي والفقيه والمحامي والمثقف العادي معرفة أحكام الشريعة في العقود والمعاملات.. وربما يزهد الكثيرون في مراجعة أحكام الشريعة التطبيقية لصعوبة الرجوع إلى كتب الفقهاء مفضلين الأخذ بالقوانين الوضعية الغربية المذللة الطريق في مراجعها وموسوعاتها وإلى جانب هذا التسهيل، فإن تقنين الفقه يؤدي إلى ضبط الأحكام الشرعية واعتماد الرأي الأصلح من الآراء المختلفة بين المذاهب، بل وفي المذهب الواحد.
افماذا يفعل القاضي أمام هذا الحشد الهائل من اختلاف الفقهاء
(1) نقل الدكتور عبد البر في كتابه تقنين الفقه، (ص 56 - 59) أقوال عدد من الفقهاء المحدثين في ذلك.
صفحة ٣١٨