عندما غادرنا «سالي
Salies » في الحادي والعشرين من يوليو كان وزن مؤنس قد ازداد 500 جرام. أما وزني فلم يزد جراما واحدا. وعندما كان الطبيب يودعني، وكان قد بذل أقصى ما أمكنه من العناية بنا، قال لي بأسف: «أعتبر نفسي سعيدا جدا يا سيدتي؛ لأن وزنك حتى الآن لم ينقص!»
وصلت ابنتي الصغيرة إلى فرنسا دون قبعة؛ فغضبت أمي. كان من المستحيل علينا العثور عليها في أثناء الهرج الذي ساد لحظات السفر، وربما كانت قد أضاعتها في حديقة الفندق التي كانت واسعة، كما أنه لم يكن بوسعنا أن نفوت القطار. والحق أن ذلك الأمر لم يكن ليعذبني كثيرا إلا أنه كان له فيما يبدو مغزى كبير في تلك الحقبة. وكان لا بد لغضب أمي من أن يسلي طه.
كنا نسكن بالقرب من حديقة «الأوبزرفاتوار
Observatoire »؛ حيث أمضينا سنواتنا الأولى هناك. وأكتب إلى طه: «ربما كانت أفضل سنوات حياتنا قد تتالت في هذا الحي اللاتيني.» إلا أنه كان ثمة أفراح أخرى في منتهى الجمال تنتظرنا مع ذلك.
وبقدر ما كان الأطفال يسمحون لي - وقد ساعدتني أمي كثيرا في ذلك - كنت أتنزه في الشوارع المألوفة. أذهب إلى السوربون، وأصحب الأطفال إلى حديقة اللوكسميورج كل يوم. في أحد الأيام، ركبت الباص الذي يسير على خط «كليشي-أوديون
Clichy-Odéon »، وكان مسار هذا الخط يسرني ويؤدي إلى صائغ في جادة الإيطاليين. فعلت ذلك في اليوم العظيم الذي اشتريت فيه «اللونجين
Longines »، وهي الساعة التي حملها طه دوما معه حتى اليوم الأخير. كانت هذه الساعة باهظة الثمن، وكان شراؤها بالنظر إلى وضعنا المادي يعتبر عملا جنونيا. ولقد كنت مجنونة في الواقع، مجنونة فرحا. وعندما سطا اللصوص على دارنا «رامتان» في الربيع الماضي، كانت الساعة من جملة ما سطوا عليه. ولقد آلمني ذلك أكثر من أي شيء آخر. وكان عذابي من الوضوح بحيث إن ضابط البوليس المكلف بالتحقيق قال لي: «سوف أعيدها لك، أقسم لك أنني سوف أعيدها لك.» ولقد أعادها لي فعلا ... فليباركه الله!
ذهبنا إلى الأوبرا مع أمي. ها هي ذي الذكريات تتدفق على خاطري، فيخفق قلبي. الدهليز، والدرج الكبير ... ما أكثر ما كنا نصعده جيدا! ... وكم توافقت خطواتك مع خطواتي! كانوا يقدمون في ذلك المساء أوبرا «الفالكيري
La Walkyrie »، ولم يكن طه يعرفها، فقصصتها عليه.
صفحة غير معروفة