لغز عشتار: الألوهة المؤنثة وأصل الدين والأسطورة

فراس السواح ت. 1450 هجري
226

لغز عشتار: الألوهة المؤنثة وأصل الدين والأسطورة

تصانيف

حول يديه إلى يدي غزال،

فلم تطله عفاريت الجالا،

ونجى بنفسه إلى شوبيريلا.

93

ولكن العفاريت تنقض في النهاية على دموزي وتمزقه، كما مزق التيتان من بعده ديونيسيوس رغم تحولاته المتعددة إلى أسد فحصان فأفعى. (4)

إن رحلة ديونيسيوس الطويلة في أنحاء المسكونة وتعليم أهلها أصول الحضارة وإعطاءهم الشرائع والقوانين وبناء المدن الكبيرة، تكاد تكون نسخة مكررة عن رحلة أوزوريس، مع فارق واحد يتعلق بالنبات الذي حمله كل إله إلى بني البشر. فبينما حمل أوزوريس القمح وعلم الناس أكل الخبز، حمل ديونيسيوس الكرمة وعلم الناس شرب الخمر. وفي الحقيقة لم يكن النبات الذي حمله ديونيسيوس في شكله القديم إلا القمح، ولم يعلم الناس إلا أكل الخبز؛ لأن الشرائع والقوانين التي مد بها ديونيسيوس البشر، والمدن الكبيرة التي بناها، لتدل على انتشار زراعة القمح، والاستقرار في الأرض وبناء المستوطنات الثابتة، أكثر مما يدل على انتشار زراعة الكرمة وتخمير الشراب المسكر. (5)

تبرر الأسطورة ، بطريقة مبسطة، التكوين الأنثوي للإله الابن، فتعزوه إلى تربيته في جناح الحريم تربية نسائية، ولبسه لفترة طويلة ملابس النساء اختفاء عن عيون هيرا، التي كانت تترصده في كل مكان. وبذلك لا يشذ ديونيسيوس عن بقية الآلهة الأبناء في التكوين الأنثوي الذي يميز شكله وشخصيته، بل لعله في ذلك قد بز جميع أقرانه. وتفسير ذلك في رأينا راجع إلى غياب صورة الإلهة الأم من الديانة الديونيسية، واستقطاب الإله الابن كل الميول العاطفية التي كانت تستقطبها عبادة الأنثى. يضاف إلى ذلك، أن الديونيسية كانت بشكل أساسي ديانة للنساء، كما ألمحنا إلى ذلك في فصل سابق، ولا نستطيع أن نستبعد أثرهن على تشكيل الصورة العامة لإله تلك الديانة.

هذا ونستطيع أن نعثر على مساهمتين أساسيتين للميثولوجيا الذكرية، في إضفاء طابع بطريركي على هذه الأسطورة: (1)

لم تسمح الأسطورة للإلهة الأم بأن تستكمل مهمة ولادة ابنها ديونيسيوس، بل لقد شاركها في ذلك الإله الأب نفسه، فحمل عنها نصف المهمة والأهم؛ إذ قام زيوس الذي تسبب بوفاة سيميلي، بإنقاذ الجنين وزرعه داخل جسمه ليطلقه إلى الحياة كائنا مكتملا في ولادة حقيقية. وهذه هي المرة الثانية التي يلد فيها كبير آلهة الأوليمب. فقبلها قام بولادة ابنته أثينا من جبهته بعد أن ابتلع أمها «ميتس» وهي حامل بها. وربما كان في هذه الرواية أثر من حدث تاريخي قديم، عندما اجتاحت القبائل البطريركية المجتمع الأمومي، أو ثارت جماعة الذكور من الداخل، فقضت على عبادة الأم الكبرى وقتلت كاهنتها، بينما أبقت على عبادة الإله الابن وحاولت إدماجه في نظامها الديني الأبوي. (2)

في الشكل المتأخر لأسطورة ديونيسيوس، يخضع أحد العناصر الأساسية لأسطورة الإله الابن، إلى أكبر عملية تحوير وعكس للأدوار بين الأم الكبرى وابنها الوليد الإله المحكوم بالهبوط إلى العالم الأسفل. ففي الشكل الأصلي للأسطورة يهبط الابن ميتا إلى العالم الأسفل، وتقوم الأم باستعادته إلى الحياة. أما في الأسطورة الذكرية، فإن الأم هي التي تهبط ميتة إلى العالم الأسفل، بينما يهرع الابن إلى استعادتها وبعثها من الموت.

صفحة غير معروفة