861

لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لشرح الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية

الناشر

مؤسسة الخافقين ومكتبتها

الإصدار

الثانية

سنة النشر

١٤٠٢ هجري

مكان النشر

دمشق

خَالِيًا هِيَ مَسْأَلَةُ سَتْرِهَا عَنِ الْمَلَائِكَةِ وَالْجِنِّ، قَالَ: وَكَلَامُ صَاحِبِ الْمُحَرَّرِ وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ يَجِبُ عَنِ الْجِنِّ، لِأَنَّهُمْ مُكَلَّفُونَ أَجَانِبُ، وَكَذَا عَنِ الْمَلَائِكَةِ مَعَ عَدَمِ تَكْلِيفِهِمْ، لِأَنَّ الْآدَمِيَّ مُكَلَّفٌ، وَقَدْ أَمَرَ الشَّارِعُ فِي خَبَرِ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ بِحِفْظِهَا عَنْ كُلِّ أَحَدٍ إِلَّا مِنْ زَوْجَتِهِ وَأَمَتِهِ وَهَذَا مَعَ الْعِلْمِ بِحُضُورِهِمْ. انْتَهَى مُلَخَّصًا. وَلَعَلَّ مُرَادَهُ إِخْرَاجَهُمْ عَنِ التَّكْلِيفِ بِمَا كُلِّفْنَا. لَا مُطْلَقًا وَإِلَّا فَهِمَ مُكَلَّفُونَ قَطْعًا، قَالَ ابْنُ جَمَاعَةَ فِي شَرْحِ بَدْءِ الْأَمَالِي: الْمُكَلَّفُونَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ كُلِّفَ مِنْ أَوَّلِ الْفِطْرَةِ قَطْعًا وَهُمُ الْمَلَائِكَةُ وَآدَمُ وَحَوَّاءُ ﵈، وَقِسْمٌ لَمْ يُكَلَّفْ مِنْ أَوَّلِ الْفِطْرَةِ وَهُمْ أَوْلَادُ آدَمَ، وَقِسْمٌ فِيهِمْ نِزَاعٌ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ مُكَلَّفُونَ مِنْ أَوَّلِ الْفِطْرَةِ وَهُمُ الْجَانُّ. انْتَهَى. قُلْتُ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ ظَاهِرُهُمَا تَكْلِيفُ الْمَلَائِكَةِ إِذْ فِيهِ: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦]، ﴿وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ [سبأ: ١٢]- ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠]، ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠]، وَقَالَ: ﴿وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٨]- ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأنفال: ١٢] وَهَذَا كُلُّهُ تَكْلِيفٌ وَنَاشِئٌ عَنِ التَّكْلِيفِ، وَالْأَحَادِيثُ طَافِحَةٌ بِمَعْنَى ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(الْخَامِسُ) فِي ذِكْرِ بَعْضِ التَّفْضِيلِ بَيْنَ الْمَعْلُومَاتِ قَالَ الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: الْجَوَاهِرُ وَالْأَجْسَامُ كُلُّهَا مُتَسَاوِيَةٌ مِنْ جِهَةِ ذَوَاتِهَا، وَإِنَّمَا يُفَضَّلُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ بِصِفَاتِهَا وَأَعْرَاضِهَا وَانْتِسَابِهَا إِلَى الْأَوْصَافِ الشَّرِيفَةِ فِي التَّفَاضُلِ النَّفِيسَةِ، وَأَوْصَلَهَا تِلْمِيذُهُ الْقَرَافِيُّ فِي كِتَابِهِ أَنْوَارِ الْفُرُوقِ إِلَى عِشْرِينَ قَاعِدَةً، أَوَّلُهَا تَفْضِيلُ الْمَعْلُومِ عَلَى غَيْرِهِ بِذَاتِهِ دُونَ سَبَبٍ يَعْرِضُ لَهُ يُوجِبُ التَّفْضِيلَ لَهُ عَلَى غَيْرِهِ وَلَهُ مِثْلٌ، أَحَدُهَا الْوَاجِبُ لِذَاتِهِ الْمُسْتَغْنِي فِي وُجُودِهِ عَنْ غَيْرِهِ كَذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ، الثَّانِي الْعِلْمُ حَسُنٌ لِذَاتِهِ وَهُوَ أَفْضَلُ مِنَ الظَّنِّ لِلْقَطْعِ بِعَدَمِ الْجَهْلِ مَعَهُ وَتَجْوِيزِ الْجَهْلِ مَعَ الظَّنِّ، وَذَلِكَ لِذَاتِ الْعِلْمِ لَا لِصِفَةٍ قَامَتْ بِهِ، كَمَا أَنَّ الْجَهْلَ نَقِيصَةٌ لِذَاتِهِ لَا لِصِفَةٍ قَامَتْ بِهِ أَوْجَبَتْ نَقْصَهُ، بِخِلَافِ الْجَاهِلِ وَالْعَالِمِ، نَقْصُ الْجَاهِلِ لِصِفَةٍ قَامَتْ بِهِ وَهِيَ الْجَهْلُ، وَفَضْلُ الْعَالِمِ بِصِفَةٍ قَامَتْ بِهِ وَهِيَ الْعِلْمُ، الثَّالِثُ الْحَيَاةُ أَفْضَلُ مِنْ

2 / 410