778

لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لشرح الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية

الناشر

مؤسسة الخافقين ومكتبتها

الإصدار

الثانية

سنة النشر

١٤٠٢ هجري

مكان النشر

دمشق

الصَّحَابَةُ ﵃ أَنْ يُسْتَخْلَفَ أَبُو بَكْرٍ فَهَذَا صَحَّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ وَهُوَ مِنْ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ وَفُقَهَائِهِمْ وَمُتَقَدِّمِيهِمْ، فَحَكَى الِاجْتِمَاعَ عَنِ الصَّحَابَةِ عَلَى خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ، وَلِذَلِكَ كَانَ هُوَ أَحَقَّ بِهَا عِنْدَ جَمِيعِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ فِي كُلِّ عَصْرٍ وَمِصْرٍ، وَكَذَلِكَ عِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ وَأَكْثَرِ فِرَقِ الْأُمَّةِ عَلَى أَنَّهُ أَحَقُّ بِهَا مِنْ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ. رَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنِ الزَّعْفَرَانِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ ﵁ يَقُولُ: أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ ﵁، وَذَلِكَ أَنَّهُ اضْطَرَبَ النَّاسُ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَلَمْ يَجِدُوا تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ خَيْرًا مِنْ أَبِي بَكْرٍ فَوَلَّوْهُ رِقَابَهُمْ. وَأَخْرَجَ أَسَدُ السُّنَّةِ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ قَالَ: مَا كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَشُكُّونَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ خَلِيفَةُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَمَا كَانُوا يُسَمُّونَهُ إِلَّا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ، وَمَا كَانُوا يَجْتَمِعُونَ عَلَى خَطَأٍ وَلَا عَلَى ضَلَالَةٍ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مِمَّا بَلَغَ التَّوَاتُرَ وَعُلِمَ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁ بَايَعَهُ وَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ عَنْ تَأَخُّرِهِ لِعَدَمِ مَشُورَتِهِ، وَإِنَّ لَهُ حَقًّا فِي الشُّورَى حَتَّى إِنَّ سَيِّدَنَا عَلِيًّا ﵁ بَايَعَ أَبَا بَكْرٍ عَلَى الْمِنْبَرِ لِإِزَالَةِ شُبْهَةِ التَّخَلُّفِ وَفَرِحَ النَّاسُ بِذَلِكَ. وَالنُّصُوصُ الْمُشِيرَةُ إِلَى خِلَافَةِ الصِّدِّيقِ كَثِيرَةٌ.
وَمِنْ أَعْظَمِ فَضَائِلِ الصِّدِّيقِ، وَأَتَمِّ فِرَاسَتِهِ عَلَى التَّحْقِيقِ، وَأَكْمَلِ نُصْحِهِ لِهَذَا الدِّينِ الْقَوِيمِ اسْتِخْلَافُهُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ الْفَارُوقَ، لِمَا حَصَلَ بِهِ مِنْ عُمُومِ النَّفْعِ وَفَتْحِ الْبِلَادِ، وَظُهُورِ الْإِسْلَامِ الظُّهُورِ التَّامِّ، وَقَمْعِ أَهْلِ الْكُفْرِ وَعَبَدَةِ الْأَصْنَامِ، فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ﵁ لَمَّا ثَقُلَ بِهِ الْمَرَضُ دَعَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ فَقَالَ: أَخْبِرْنِي عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ. فَقَالَ: مَا تَسْأَلُنِي عَنْ أَمْرٍ أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَإِنْ كَانَ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: هُوَ وَاللَّهِ أَفْضَلُ مَنْ وَرَاءَكَ وَرَأْيُكَ فِيهِ أَتَمُّ رَأْيٍ، فَدَعَا عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ فَقَالَ: أَخْبِرْنِي عَنْ عُمَرَ. فَقَالَ: أَنْتَ أَخْبَرُنَا بِهِ. وَقَالَ لَعَلِيٍّ كَذَلِكَ، فَقَالَ عِلْمُكَ فِي ذَلِكَ؟ فَقَالَ لِلصِّدِّيقِ: عِلْمِي بِهِ أَنَّ سَرِيرَتَهُ خَيْرٌ مِنْ عَلَانِيَتِهِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ فِينَا مِثْلُهُ، وَشَاوَرَ مَعَهُمَا زَيْدًا وَأُسَيْدَ بْنَ حُضَيْرٍ وَغَيْرَهُمَا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الْخَيْرَ، ثُمَّ دَعَا عُثْمَانَ فَكَتَبَ عَهْدَهُ لِعُمَرَ، ثُمَّ أَمَرَ بِالْكِتَابِ فَخَتَمَهُ، ثُمَّ أَمَرَ عُثْمَانَ فَخَرَجَ بِالْكِتَابِ مَخْتُومًا، فَبَايَعَ النَّاسُ وَرَضُوا بِهِ، ثُمَّ دَعَا أَبُو بَكْرٍ

2 / 327