691

لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لشرح الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية

الناشر

مؤسسة الخافقين ومكتبتها

الإصدار

الثانية

سنة النشر

١٤٠٢ هجري

مكان النشر

دمشق

[سؤالَ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَمُنَّ عَلَيْهِ بِالنَّعِيمِ وَالتَّنْعِيمِ بِالنَّظَرِ إِلَى وَجْهِهِ الْكَرِيمِ مِنْ غَيْرِ سَابِقَةِ عَذَابٍ]
«فَنَسْأَلُ اللَّهَ النَّعِيمَ وَالنَّظَرْ ... لِرَبِّنَا مِنْ غَيْرِ مَا شَيْنٍ غَبَرِ»
«فَنَسْأَلُ اللَّهَ» الْعَظِيمَ رَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ «النَّعِيمَ» الْمُقِيمَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ بِأَنْوَاعِ مَلَاذِّهَا وَنَعِيمِهَا مَعَ كَوَاعِبِهَا وَحُورِهَا فِي خِيَامِهَا وَقُصُورِهَا وَعَرَصَاتِهَا وَدُورِهَا، وَبِمَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بِشْرٍ «وَ» نَسْأَلُ اللَّهَ الْعَظِيمَ الْحَلِيمَ الْجَوَّادَ الْكَرِيمَ «النَّظَرَ لِـ» وَجْهِ «رَبِّنَا» وَخَالِقِنَا وَهَادِينَا الْكَرِيمِ مَعَ أَهْلِ الطَّاعَةِ وَالِاسْتِقَامَةِ، وَالْفَوْزَ وَالنَّجَاةَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ «مِنْ غَيْرِ مَا» زَائِدَةٌ لِمَزِيدِ النَّفْيِ، أَيْ: مِنْ غَيْرِ «شَيْنٍ» أَيْ: عَذَابٍ وَمُنَاقَشَةِ حِسَابٍ، وَتَوْبِيخٍ وَعِتَابٍ، وَالشَّيْنُ ضِدُّ الزَّيْنِ، فَإِنَّ مَنْ حَصَلَ لَهُ شَيْءٌ مِمَّا ذُكِرَ يَذْهَبُ زَيْنُهُ وَيَخْلُفُهُ شَيْنُهُ، وَالْمَشَايِنُ الْمَعَايِبُ «غَبَرِ» بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، أَيْ: ذَهَبَ، وَالْمُرَادُ سَبَقَ، يَعْنِي مِنْ غَيْرِ سَابِقِ عَذَابٍ وَمُنَاقَشَةِ حِسَابٍ، يُقَالُ: غَبَرَ غُبُورًا مَكَثَ وَذَهَبَ، ضِدٌّ، وَفِي الْحَدِيثِ «أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَحْدِرُ فِيمَا غَبَرَ مِنَ السُّورَةِ أَيْ يُسْرِعُ فِي قِرَاءَتِهَا» .
قَالَ فِي النِّهَايَةِ: قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: يَحْتَمِلُ الْغَابِرُ هَاهُنَا الْوَجْهَيْنِ - يَعْنِي الْمَاضِيَ وَالْبَاقِيَ - فَإِنَّهُ مِنَ الْأَضْدَادِ، قَالَ: وَقَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ أَنَّهُ يَكُونُ بِمَعْنَى الْمَاضِي. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ سَأَلَ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَمُنَّ عَلَيْهِ بِالنَّعِيمِ وَالتَّنْعِيمِ بِالنَّظَرِ إِلَى وَجْهِهِ الْكَرِيمِ مِنْ غَيْرِ سَابِقَةِ عَذَابٍ، وَلَا مُنَاقَشَةِ حِسَابٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُ مَا تَضَمَّنَهُ مِنْ ذِكْرِ النَّعِيمِ الْمُقِيمِ، وَأَمَّا النَّظَرُ إِلَى مَوْلَانَا الْكَرِيمِ فَهُوَ مِنْ أُصُولِ أَهْلِ الْحَقِّ خِلَافًا لِأَهْلِ الضَّلَالِ وَالْحُمْقِ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ:
[رؤية المؤمنين ربهم في الآخرة]
«فَإِنَّهُ يُنْظَرُ بِالْأَبْصَارِ ... كَمَا أَتَى فِي النَّصِّ وَالْأَخْبَارِ»
«فَإِنَّهُ» سُبْحَانَهُ، وَتَعَالَى «يُنْظَرُ بِالْأَبْصَارِ» فِي دَارِ الْمُقَامَةِ وَالْقَرَارِ، بِاتِّفَاقِ أَئِمَّةِ الدِّينِ الْأَبْرَارِ، وَسَلَفِ الْأَئِمَّةِ الْأَخْيَارِ «كَمَا أَتَى» أَيْ جَاءَ «فِي النَّصِّ» الْقُرْآنِيِّ، وَالتَّنْزِيلِ الرَّحْمَانِيِّ، أَصْلُ النَّصِّ أَقْصَى الشَّيْءِ وَغَايَتُهُ، وَفِي حَدِيثِ كَعْبٍ: «يَقُولُ الْجَبَّارُ: احْذَرُونِي فَإِنِّي لَا أَنَاصُ عَبْدًا إِلَّا عَذَّبْتُهُ، أَيْ: لَا أَسْتَقْصِي عَلَيْهِ فِي السُّؤَالِ وَالْحِسَابِ»، وَرَوَى الْخَطَّابِيُّ عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ مِثْلَهُ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْفُقَهَاءِ: نَصُّ الْقُرْآنِ وَنَصُّ السُّنَّةِ، أَيْ: مَا دَلَّ ظَاهِرُ لَفْظِهِمَا عَلَيْهِ مِنَ الْأَحْكَامِ، وَفِي كَلَامِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ: مَا رَأَيْتُ رَجُلًا أَنَصَّ لِلْحَدِيثِ مِنَ الزُّهْرِيِّ، أَيْ: أَرْفَعَ لَهُ وَأَسْنَدَ «وَ» كَمَا أَتَى فِي

2 / 240