635

لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لشرح الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية

الناشر

مؤسسة الخافقين ومكتبتها

الإصدار

الثانية

سنة النشر

١٤٠٢ هجري

مكان النشر

دمشق

[الميزان]
«وَ» كَذَا وُقُوفُ الْخَلْقِ لِأَجَلِ «الْمِيزَانِ» اعْلَمْ أَنَّ مَرَاتِبَ الْمَعَادِ الْبَعْثُ وَالنُّشُورُ ثُمَّ الْمَحْشَرُ، ثُمَّ الْقِيَامُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ، ثُمَّ الْعَرْضُ، ثُمَّ تَطَايُرُ الصُّحُفِ وَأَخْذُهَا بِالْيَمِينِ وَأَخْذُهَا بِالشِّمَالِ، ثُمَّ السُّؤَالُ وَالْحِسَابُ، ثُمَّ الْمِيزَانُ «بِالثَّوَابِ» أَيْ ثَوَابِ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، وَعَنِ السَّيِّئَاتِ الْفَاضِحَةِ قَالَ عُلَمَاؤُنَا كَغَيْرِهِمْ:
نُؤْمِنُ بِأَنَّ الْمِيزَانَ الَّذِي تُوزَنُ بِهِ الْحَسَنَاتُ وَالسَّيِّئَاتُ حَقٌّ، قَالُوا: وَلَهُ لِسَانٌ وَكِفَّتَانِ تُوزَنُ بِهِ صَحَائِفُ الْأَعْمَالُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: تُوزَنُ الْحَسَنَاتُ فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ، وَالسَّيِّئَاتُ فِي أَقْبَحِ صُورَةٍ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الشَّيْخُ مَرْعِيٌّ فِي بَهْجَتِهِ:
الصَّحِيحُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمِيزَانِ الْمِيزَانُ الْحَقِيقِيُّ لَا مُجَرَّدَ الْعَدْلِ خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ.
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَذْكِرَتِهِ:
قَالَ الْعُلَمَاءُ: إِذَا انْقَضَى الْحِسَابُ كَانَ بَعْدَهُ وَزْنُ الْأَعْمَالِ؛ لِأَنَّ الْوَزْنَ لِلْجَزَاءِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بَعْدَ الْمُحَاسَبَةِ لِتَقْرِيرِ الْأَعْمَالِ وَالْوَزْنُ لِإِظْهَارِ مَقَادِيرِهَا لِيَكُونَ الْجَزَاءُ بِحَسَبِهَا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ - فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ - وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ - فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ - وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ - نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ [القارعة: ٦ - ١١]، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْإِيمَانَ بِالْمِيزَانِ كَأَخْذِ الصُّحُفِ ثَابِتٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ، فَالْكِتَابُ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ - فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [الأعراف: ٨ - ٩] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ، وَرُوِيَ أَنَّ دَاوُدَ ﵇ سَأَلَ رَبَّهُ أَنْ يُرِيَهُ الْمِيزَانَ، فَلَمَّا رَآهُ غُشِيَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ: إِلَهِي مَنْ ذَا الَّذِي يَقْدِرُ بِمَلْأِ كِفَّةِ حَسَنَاتِهِ؟ فَقَالَ:
إِذَا رَضِيتُ عَنْ عَبْدِي مَلَأْتُهَا بِتَمْرَةٍ. ذَكَرَهُ الرَّازِيُّ وَالثَّعْلَبِيُّ.
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ ﵁: إِنَّ مِيزَانَ رَبِّ الْعَالَمِينَ يُنْصَبُ لِلْجِنِّ وَالْإِنْسِ، يُسْتَقْبَلُ بِهِ الْعَرْشُ، إِحْدَى كِفَّتَيْهِ عَلَى الْجَنَّةِ، وَالْأُخْرَى عَلَى جَهَنَّمَ، لَوْ وُضِعَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ فِي إِحْدَاهُمَا لَوَسِعَتْهُنَّ، وَجِبْرِيلُ آخِذٌ بِعَمُودِهِ يَنْظُرُ إِلَى لِسَانِهِ.
قَالَ فِي الْبَهْجَةِ فِي هَذَا: إِنَّ أَعْمَالَ الْجِنِّ تُوزَنُ كَمَا تُوزَنُ أَعْمَالُ الْإِنْسِ، وَهُوَ كَذَلِكَ ارْتَضَاهُ الْأَئِمَّةُ.
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَذْكِرَتِهِ:
الْمُتَّقُونَ تُوضَعُ حَسَنَاتُهُمْ فِي الْكِفَّةِ النَّيِّرَةِ حَتَّى

2 / 184