451

لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لشرح الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية

الناشر

مؤسسة الخافقين ومكتبتها

الإصدار

الثانية

سنة النشر

١٤٠٢ هجري

مكان النشر

دمشق

ذَلِكَ الطَّاعَاتُ الَّتِي لَا تَتَوَقَّفُ صِحَّتُهَا عَلَى نِيَّةٍ، وَقَدْ سَلَّمَ ذَلِكَ لَهُ ابْنُ حَجَرٍ وَابْنُ الْمُنِيرِ وَابْنُ بَطَّالٍ وَغَيْرُهُمْ. وَمِمَّنْ نَصَّ عَلَى أَنَّ لِلْكَافِرِ حَفَظَةً - بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ، قَالَ بَعْضُهُمْ: وَهُوَ الَّذِي لَا يَصِحُّ غَيْرُهُ. وَهُوَ الْجَارِي عَلَى الْقَوْلِ بِتَكْلِيفِهِمْ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ وَهُوَ مُعْتَمَدُ الثَّلَاثَةِ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ.
وَالصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِنَا كَالْمَالِكِيَّةِ كَتْبُ حَسَنَاتِ الصَّبِيِّ، قَالَ عُلَمَاؤُنَا: يُكْتَبُ لَهُ وَلَا يُكْتَبُ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ عَلَيْهِ حَفَظَةٌ بِخِلَافِ الْمَجْنُونِ ; لِأَنَّهُ لَا يُكْتَبُ لَهُ وَلَا عَلَيْهِ، وَالصَّحِيحُ كَتْبُهُمُ الصَّغَائِرَ الْمَغْفُورَةَ، وَإِنْ غُفِرَتْ بِاجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ، قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀: لَا تُمْحَى الذُّنُوبُ مِنْ صَحَائِفِ الْأَعْمَالِ بِتَوْبَةٍ، وَلَا غَيْرِهَا بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يُوقَفَ عَلَيْهَا صَاحِبُهَا وَيَقْرَأَهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ﴾ [الكهف: ٤٩] الْآيَةَ، وَبِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ - وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ [الكهف: ٧ - ٤٩] . وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْقَوْلُ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَبِلَالِ بْنِ سَعْدٍ الدِّمَشْقِيِّ، قَالَ الْحَسَنُ فِي الْعَبْدِ يُذْنِبُ ثُمَّ يَتُوبُ وَيَسْتَغْفِرُ: يُغْفَرُ لَهُ وَلَكِنْ لَا يُمْحَاهُ مِنْ كِتَابِهِ دُونَ أَنْ يَقِفَهُ عَلَيْهِ ثُمَّ يَسْأَلُهُ عَنْهُ، ثُمَّ بَكَى الْحَسَنُ بُكَاءً شَدِيدًا، وَقَالَ لَوْ لَمْ نَبْكِ إِلَّا لِلْحَيَاءِ مِنْ ذَلِكَ الْمَقَامِ لَكَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَبْكِيَ.
وَقَالَ بِلَالُ بْنُ سَعْدٍ: إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ وَلَكِنْ لَا يَمْحَاهَا مِنَ الصَّحِيفَةِ، حَتَّى يُوقِفَهُ عَلَيْهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَإِنْ تَابَ.
الثَّانِيَةُ: جَاءَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَنَسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " «مَا مِنْ حَافِظَيْنِ يَرْفَعَانِ إِلَى اللَّهِ - تَعَالَى - مَا حَفِظَا فَيَرَى اللَّهُ - تَعَالَى - فِي أَوَّلِ الصَّحِيفَةِ خَيْرًا، وَفِي آخِرِهَا خَيْرًا إِلَّا قَالَ لِلْمَلَائِكَةِ: اشْهَدُوا أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي مَا بَيْنَ طَرَفَيِ الصَّحِيفَةِ» " أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَغَيْرُهُ، قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ: وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي بَعْضِ نُسَخِ كِتَابِ التِّرْمِذِيِّ. وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ مَرْفُوعٍ: " «ابْنَ آدَمَ اذْكُرْنِي مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ سَاعَةً، وَمِنْ آخِرِ النَّهَارِ سَاعَةً أَغْفِرْ لَكَ مَا بَيْنَ ذَلِكَ إِلَّا الْكَبَائِرَ، أَوْ تَتُوبُ مِنْهَا» " وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: مَنْ خَتَمَ نَهَارَهُ بِذِكْرِ اللَّهِ كُتِبَ نَهَارُهُ كُلُّهُ ذِكْرًا، يُشِيرُ إِلَى أَنَّ الْأَعْمَالَ

1 / 451

لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لشرح الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية | أصول