387

لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لشرح الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية

الناشر

مؤسسة الخافقين ومكتبتها

الإصدار

الثانية

سنة النشر

١٤٠٢ هجري

مكان النشر

دمشق

الْقَذْفِ الَّذِي جَزَاؤُهُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، فَتَكُونُ تَوْبَةُ هَذَا كَتَوْبَةِ الْقَاذِفِ، وَتَعْرِيضُهُ كَتَعْرِيضِهِ، وَحَلِفُهُ عَلَى التَّعْرِيضِ كَحَلِفِهِ. وَأَمَّا لَوْ ظَلَمَهُ فِي دَمٍ، أَوْ مَالٍ فَلَا بُدَّ مِنْ إِيفَاءِ الْحَقِّ، فَإِنَّ لَهُ بَدَلًا، وَقَدْ نَصَّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ تَوْبَةِ الْقَاتِلِ وَتَوْبَةِ الْقَاذِفِ. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ مُفْلِحٍ: وَفِي هَذَا خَلَاصٌ عَظِيمٌ وَتَفْرِيجُ كُرُبَاتِ النُّفُوسِ مِنْ آثَارِ الْمَعَاصِي، وَالْمَظَالِمِ، فَإِنَّ الْفَقِيهَ كُلَّ الْفَقِيهِ الَّذِي لَا يُؤَيِّسُ النَّاسَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ﷿ وَلَا يُجَرِّئُهُمْ عَلَى مَعَاصِيهِ، وَجَمِيعُ النُّفُوسِ لَا بُدَّ أَنْ تُذْنِبَ، فَتَعْرِيفُ النُّفُوسِ مَا يُخَلِّصُهَا مِنَ الذُّنُوبِ؛ مِنَ التَّوْبَةِ، وَالْحَسَنَاتِ الْمَاحِيَاتِ، كَالْكَفَّارَاتِ، وَالْعُقُوبَاتِ مِنْ أَعْظَمِ فَوَائِدِ الشَّرِيعَةِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
[حال من مات ولم يتب]
«وَمَنْ» أَيْ أَيُّ امْرِئٍ مُذْنِبٍ «يَمُتْ» أَيْ يُدْرِكُهُ الْمَوْتُ وَهُوَ مُصِرٌّ عَلَى ذُنُوبِهِ وَمُنْهَمِكٌ فِي شَهَوَاتِهِ «وَلَمْ يَتُبْ مِنَ الْخَطَأِ» الَّذِي ارْتَكَبَهُ، وَالْإِثْمِ الَّذِي اكْتَسَبَهُ؛ لَمْ نَحْكُمْ عَلَيْهِ بِالْكُفْرِ، كَمَا زَعَمَتِ الْخَوَارِجُ، وَلَمْ نَقُلْ بِأَنَّهُ خَرَجَ مِنَ الْإِسْلَامِ بِارْتِكَابِهِ كَبَائِرَ الْآثَامِ، وَلَمْ يَدْخُلْ فِي الْكُفْرِ، بَلْ هُوَ فِي مَنْزِلَةٍ بَيْنَ مَنْزِلَتَيِ الْكُفْرِ وَالْإِسْلَامِ كَمَا زَعَمَتِ الْمُعْتَزِلَةُ، وَلَا نَحْكُمُ عَلَيْهِ بِالْخُلُودِ فِي النَّارِ، بَلْ وَلَا بِدُخُولِهَا، بَلْ نَقُولُ فِي مَنْ مَاتَ مُصِرًّا عَلَى كَبَائِرِ الذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا «فَأَمْرُهُ» الَّذِي يَئُولُ إِلَيْهِ «مُفَوَّضٌ» أَيْ مَوْكُولٌ وَمَرْدُودٌ «لِذِي» أَيْ صَاحِبِ «الْعَطَا» الْوَاسِعِ، وَالْكَرَمِ وَالْجُودِ وَالنِّعَمِ. وَالْعَطَا - وَيُمَدُّ - النَّوَالُ، وَفِي الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى الْمُعْطِي أَيْ يُعْطِي مَنْ يُرِيدُ مَا يُرِيدُ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ «فَإِنْ يَشَأْ» ﷾ «يَعْفُ» أَيْ يَتَجَاوَزُ عَمَّنْ مَاتَ مُرْتَكِبًا لِذُنُوبِهِ وَلَمْ يَتُبْ مِنْهَا، وَالْعَفْوُ هُوَ التَّجَاوُزُ عَنِ الذَّنْبِ وَتَرْكُ الْعِقَابِ عَلَيْهِ، وَأَصْلُهُ الْمَحْوُ وَذَهَابُ الْأَثَرِ، وَفِي الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى الْعَفُوُّ، هُوَ فَعُولٌ، مِنَ الْعَفْوِ الَّذِي هُوَ التَّجَاوُزُ «وَإِنْ شَاءَ انْتَقَمَ» مِنْهُ، فَإِنْ عَامَلَهُ بِالْفَضْلِ عَفَا وَأَنْعَمَ، وَإِنْ عَامَلَهُ بِالْعَدْلِ انْتَقَمَ وَآلَمَ، وَالِانْتِقَامُ أَنْ يَبْلُغَ فِي الْعُقُوبَةِ حَدَّهَا، وَفِي الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى الْمُنْتَقِمُ، وَهُوَ الْمُبَالِغُ فِي الْعُقُوبَةِ لِمَنْ يَشَاءُ، وَهُوَ مُفْتَعِلٌ، مَنْ نَقَمَ يَنْقِمُ إِذَا بَلَغَتْ بِهِ الْكَرَاهَةُ حَدَّ السُّخْطِ «وَإِنْ يَشَأْ أَعْطَى» النَّوَالَ السَّهْلَ «وَأَجْزَلَ» أَيْ أَكْثَرَ وَأَعْظَمَ لَهُمْ «النِّعَمَ» بِكَسْرِ النُّونِ الْمُشَدَّدَةِ وَفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، جَمْعُ نِعْمَةٍ بِكَسْرِ النُّونِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، وَالِاسْمُ بِالْفَتْحِ، قَالَ فِي الْقَامُوسِ: النِّعْمَةُ بِالْكَسْرِ

1 / 387